التراث الغنائي

التراث الغنائي

علي جزيري

فن الغناء كنتاج إنساني له مكانة بارزة في التاريخ، فهو من أقدم الفنون التعبيرية، ليس كوسيلة ترفيهية فحسب، بل لرفع الروح المعنوية. ويجب أن نُدرك كيف لعب هذا الفن دوراً ملهماً في التاريخ لتحفيز أمة من الأمم على رص صفوفها والدفاع عن حريتها؛ كما لهذا الفن ثمة تأثير بالغ في نفس الإنسان ومشاعره، وشحذ هممه في الأتراح والمصائب التي تحلُّ به أو التنفيس عن كروبه، ناهيك عن بثّ البهجة في نفسه في الأفراح.
يتعاظم هذا الدور حين يوظّف في خدمة قضية عادلة، فحين يكون الغناء مصحوباً بآلات موسيقية، يغدو حينئذٍ أداة لاستنهاض الشعب ووسيلة أنجع للمقاومة، من هنا يمكن القول إن هذا الفن يعكس بالضرورة حقيقة هوية شعبنا وتاريخه وقيمه وتقاليده وثقافته المتمثلة في أدبه الشفاهي منذ أقدم العصور، وفي الوقت نفسه فإن الغناء الهابط في شكله أو مضمونه يفسدُ الذوقَ السليمَ.
يروي الدكتور علي الوردي كيف أن الخليفة سليمان بن عبد الملك، كان يتنزه ذات يوم في بادية، فسمع صوتاً يغني من بعيد؛ كان الصوت رخيماً مطرباً، فغضب الخليفة حينذاك، إذ اعتبره خطراً على عفاف النساء وسبباً من أسباب إغرائهن وإفسادهن، فأمر بإخصاء المغني، وقد خصي المسكين فعلاً وفق مقاربة أيديولوجية للدين...!
أما حكاية إبراهيم القاشوش، منشد الثورة التي انطلقت في سوريا عام 2011، فتكمن في أنه كان يلهب حماس المتظاهرين الذين يتقدمهم، ويهتف في المظاهرة التي ضمتها ساحة العاصي بحماة في جمعة عرفت بـ "جمعة ارحل" بتاريخ الأول من تموز 2011: ويغنى (يلا ارحل يا بشار..) وسط الجماهير التي تجاوزت نصف مليون متظاهر، مما أضحى القاشوش ملاحقاً من أجهزة الأمن في سوريا، وحين تمكنت من إلقاء القبض عليه اقتلعت حنجرته، ثم رمت جثته في نهر العاصي كي تخفي جريمتها من جهة، وتردع المتظاهرين من جهة أخرى تحت حجة حماية القانون، بيد إن استهداف أمثاله ممن كانوا يحرّكون الشارع بأدائهم الحماسي الرائع، غدت ظاهرة سرعان ما انتشرت في كل أرجاء سوريا، وصار لكل مظاهرة قاشوشها من بين النشطاء يؤدّون الدور الغنائي نفسه وفق ما ابتكره المذكور.
ومن الأناشيد الثورية التي عكست واقع الكرد في ظل ليل كوردستان الطويل، وحثتهم على الصمود والمقاومة وتحدّي الغزاة والمحتلين الذين استباحوا كوردستان، والتصدّي للجلادين الذين تمادوا لقمع إرادة شعبنا الكردي قصيدة أي رقيب "Ey Reqîb " تلك التي أبدعها الشاعر الكردي يونس ملا رؤوف (دلدار) المولود في كوي سنجق التابعة إدارياً لمحافظة أربيل عاصمة إقليم كوردستان عام 1918، والذي توفي في ريعان شبابه عام 1948 بعد انضمامه إلى حزب (هيوا) سافر إلى كوردستان الشرقية، فاعتقله الأمن الإيراني، وفي معتقله نظم قصيدته تلك، وتحدّى فيها سجّانيه (حراس السجن)، ثم لحنها حسين برزنجي وآخرون، وتم اختيار القصيدة نشيداً قومياً لجمهورية مهاباد في كوردستان الشرقية، ثم غدا النشيد القومي في إقليم كوردستان فيما بعد، واليوم يتغنى عموم الكرد به بملء حناجرهم، ومضمونه: (إن الأمة الكردية باقية، لا تهزها المدافع، والكرد لا يموتون بل يُبْعَثون، والشباب الكرد على أهبة الاستعداد للتضحية بأرواحهم، كي تظل رايتهم خفاقة...الخ).