كي لا نُلدغ من الجحر نفسه!!
فيصل نعسو
ربما يثير هذا العنوان لدى القارئ المحترم والمهتم بالشأن الكوردي عامة والسوري خاصة التساؤل بشأن مغزى الكلمات المستوحاة من القول الشعبي القائل بهذا المعنى: "على المؤمن ألا يُلدغ من الجحر مرتين"
تعرضنا نحن الكورد طوال تاريخنا للدغ من نفس الجحر مرات عدة لأسباب ذاتية وموضوعية. فالذاتية منها: هي أن الطبيعة الجغرافية الوعرة المتعددة التضاريس لكوردستان، ساهمت في تعزيز الانطواء إلى الداخل، والتمسك الشديد بالقيم والتقاليد الموروثة، وشجعت الفردية والأنانية المجتمعية.......الخ، الشيء الذي حال دون تحقيق ما هو عام ومشترك وجماعي منذ القدم وإلى يومنا هذا. لكنها في نفس الوقت كرست مبدا التمسك بالأرض، والدفاع المنقطع النظير عن تاريخ الآباء والأجداد، والتضحية بالغالي والنفيس في المعارك والحروب المتواصلة للدفاع عن الذات وبالتالي حماية الانتماء القومي الكوردي، وهذا ما أدى إلى انتشار القول الشائع بين الناس: " أنه لا شيء يحمي الكورد سوى جباله "
أما الموضوعية منها فمرتبطة بالمواصفات الذاتية المشارة إليها آنفا، إذ طغت الإقليمية والمحلية منها على ما هو قومي ووطني(الانتماء للكوردايتي والكورد البروري) مما سهّل على العدو الإقليمي المجاور، والإمبراطوريات و الدول الكبرى إلى التغلغل بين صفوفنا، والتدخل في شؤوننا الداخلية للحفاظ فقط على مصالحها الاقتصادية-السياسية وخططها الجيو-الإستراتيجية المتعلقة بالبقعة الجغرافية التي نقع نحن الكورد فيها، مما عقّدت مهمة القوى والمنظمات والشخصيات الكوردية في حماية حقوقها القومية المشروعة في الحرية والاستقلال، وتجزئة وطنها كوردستان عبر كافة مراحلها التاريخية التي ما زلنا نعاني من آثارها حتى الآن.
إلى جانب هذين العاملين جدير بالإشارة إلى موقع كوردستان في الجغرافيا العالمية، وغناها بالموارد والمصادر الطبيعية من مياه وغاز وبترول، ووفرة ترابها من المواد الأولية الضرورية للصناعة والتجارة الدولية، حولتها إلى نقطة استقطاب حاد وساحة حرب بين مختلف القوى والحلفاء في الصراع الجاري بينها، حيث تكالب الجميع لبسط سيطرتها عليها وإخضاعها لنفوذها سلماً كان أم حرباً.
دعونا نتوقف على الوضع الحالي في الشرق الأوسط وكوردستان (وأخص بالذكر هنا المسألة الكوردية في سوريا حصرا) في هذا المنعطف الخطير والحساس ومواقف الدول الإقليمية المجاورة. هناك الكثير من القيل والقال، وعدم الوضوح عما جرى في سوريا.
فخلال مدة قصيرة تمكنت الميليشيات الإسلامية المسلحة من اكتساح المدن السورية الكبيرة بدءا من حلب وصولا إلى دمشق العاصمة، دون أية مقاومة تذكر من قبل النظام، لذا بدأ السوريون بمختلف مشاربهم يتساءلون كيف حصل هذا؟ وما الذي جرى؟ ومن المستفيد؟ ومن مصلحة؟
يصعب الإجابة الدقيقة للمرء عن هذه الأسئلة، لأن العملية متعلقة بسياسات واستراتيجيات الدول الكبرى وحلفائها الإقليميين، التي لا نعرف إلا القليل منها بالرغم من ذلك، لا بُدّ للقيادات الكوردية (قسد، أنكس، أحزاب كوردية وغير كوردية، مستقلين وآخرين) في روجآفا كوردستان أن تتخذ خطوات إيجابية مع العهد الجديد والدخول في مفاوضات جدية ومرنة معه وباقي فصائل المعارضة المدنية بمختلف توجهاتها (وبهذه المناسبة مهم ما قاله الرئيس مسعود بارزاني بأن 10 سنين من المفاوضات أفضل من سنة حرب) آخذة بعين الاعتبار الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي (الكونفدرالية، الفيدرالية، اللامركزية، الإدارة الذاتية وغيرها) وللطوائف والمذاهب والأقليات القومية الأخرى، المتبلورة في دستور سوري ديموقراطي، من خلال تبني نظم قانونية و حقوقية معبرة عنه على أرض الواقع، دون وجود تفسيرات متعددة المغزى والمقصد للنصوص والمواد والفقرات الواردة فيه.
هذا لا يتم تحقيقه إلا عبر التفاهم والتنسيق، ولا أقول الوحدة هنا، بين مختلف القوى والأحزاب والشخصيات ورجال الفكر الكورد للدخول في مفاوضات مع حكام دمشق الجدد و المجموعات المسلحة السائرة في فلكها، ومع غيرها من قوى المعارضة الوطنية في سوريا، من أجل تهيئة الظروف المناسبة لعقد جمعية تأسيسية أو ما شابهها تكون مختارة من كل المجتمع السوري ومعبرة عن كل تطلعاته (يعني كل السوريين، كما يقول البعض) على طول البلاد وعرضها، حيث يتم النقاش وتبادل الآراء فيها حول تشكيل حكومة مؤقتة لفترة ليست طويلة، تشرف على إجراء انتخابات تعددية حرة وديموقراطية لتحديد مستقبل نظام الحكم القادم في الوطن ، و ربما من الأفضل تحت رعاية الأمم المتحدة و المنظمات الحقوقية الدولية المستقلة.