قلب سوريا يتّسع لجميع أبنائها
شيركوه كنعان عكيد
أثبتت التجارب التاريخية أن إنجازات الدول الديموقراطية ذات القوميات والأديان المتعددة ، والتي خرجت لتّوها من تحت انقاض الحروب ووطأة الاحتلال إلى فضاء الحرية والاستقلال لم تكن لتتحقق لولا قدرتها على الحفاظ على ثقافاتها الوطنية المختلفة، والخصائص القومية لجميع الشعوب التي تعيش على أراضيها من خلال تبنّي قيم الحرية العدالة والمساواة، وتعزيز تقاليد التسامح، وتهيئة بيئة مناسبة للتعايش المشترك بين مختلف الشعوب والفئات المجتمعية، مما ساهم لاحقاً في تعزيز قيم الحرية والديموقراطية والانتماء الوطني، كما وخلق مجتمعاً تجمعه ثقافة وأعرافاً مشتركة إلى جانب الثقافات والأعراف المتنوعة، الأمر الذي أدى إلى تمتين النسيج الاجتماعي ليصبح عاملاً هاماً في تطوُّر تلك الدول وتقدمها على كافة الأصعدة.
في الجمهورية السورية، انجز السوريون انتصارهم بعد ان قدموا تضحيات جسيمة في صراع دام لأكثر من 14 سنة، إن استثنينا ما سبقها من سنوات طوال من النضال، ضد النظام الأكثر دموية في التاريخ الحديث، والذي كشفت الأيام الأولى اللاحقة لسقوطه جزءًا من فظاعاته الذي يشهد عليه ذلك الدمار الهائل الذي الحقه بالبنيان والعمران وبكافة المرافق الحيوية الأخرى، ناهيك عن تخريب بنية المجتمع عبر إحداث شرخ بين الفئات المجتمعية وفرض التغييرات الديموغرافية أضعفت النسيج الاجتماعي عامة، وبروز خطابات الكراهية بين مكوناته.
انتزعت الفصائل العسكرية المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام، الحكم من يد آل الأسد وتسنمت سدة السلطة، لتبدأ من الصفر في بناء الدولة، معلنة الشروع في بناء دولة للجميع تسودها الحرية والعدل والمساواة. ورغم كل الجهود التي تبذلها تلك الإدارة الجديدة إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، ومحاولاتها لفرض السيطرة الكاملة على الأرض ونشر الأمن وتوطيد السلم الأهلي، الذي لا يزال على كف عفريت، ورغم كل التطمينات والوعود المعسولة، فإن الطريق بنظر المواطن السوري، لا تزال بعيدة للوصول الى الأهداف المعلنة وتحقيق الوعود المأمولة خاصة بعد أن تلاشت لدى المواطنين، نشوة الانتصار والفرحة الشعبية بزوال النظام السابق، حيث بدأت التحديات اليومية للمواطن تمثل للعيان اكثر فأكثر. كما نشأت حالة من القلق والتوجس الكبيرين لدى أبناء المكونات الأخرى غير المنتمية للنظام الجديد.
إن المراحل الأولى لكل حكومة انتقالية قد تتميز بالاضطراب والفوضى، نظراً لكثرة المهام المؤجلة والمشاكل الموروثة والبنية المهترئة للدولة، بالإضافة الى وجود العديد من العراقيل والمعوقات التي تبرز بين الحين والآخر أمامها. لكن هذه الحقيقة بالذات هي ما يجب أن تحفّز الإدارة الجديدة على ترتيب أولوياتها وسرعة إنجاز المهام التي تنتظرها في زمن قياسي وتجنب التسويف والتأجيل في أدائها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن إنجاز الدستور لا يجب أن يتطلب أربع أو خمس سنوات لإقراره، خاصة مع توفر دساتير سابقة يمكن العمل بها بعد تعديلها لتلائم المرحلة الحالية، دستورا يحترم الحقوق الأساسية للمواطنين وتلبية تطلعاتهم نحو الحرية والمساواة .
المشهد السوري في الوقت الراهن لا يبعث كثيرا على التفاؤل، وذلك بسبب غياب اللبنة الأساسية التي تشكل أساس بناء الدولة الا وهي الدستور. فغياب المؤسسات الدستورية، وتركيز السلطة بيد الحاكم (رئيس الجمهورية)، واستمرار إدارة البلاد بواسطة القوى العسكرية والأمنية والفصائل المختلفة والمتناحرة، يجعل الوضع أكثر تعقيدًا ويزيد من حدة التحديات الأمنية التي تظهر بين الحين والآخر في مناطق متفرقة
إضافة إلى ذلك فإن الحالة الاقتصادية المزرية التي يعاني منها المواطن السوري والتي نجمت عن سياسات النهب والفساد على مدار عقود، والتي مارسها النظام البائد ورئيسه الهارب، جعل الاقتصاد السوري في حالة من الانهيار شبه التام، وأدى إلى معاناة يومية للمواطن العادي الذي يتحمل اليوم العبء الأكبر من تبعات تلك السياسات.
لا يعقل أن تقام دولة بالمعنى العصري للكلمة دون وجود مؤسسات وقواعد وقوانين ناظمة لعملها وأدائها بما يخدم مصلحة المواطنين جميعا، الأمر الذي قد يعقد الحالة التي تمر بها البلاد ويجعل الوضع أكثر فوضوية وإرباكاً، و ربما يقودها رويدًا رويدًا إلى الحالة الكمبودية في مرحلة الخمير الحمر او حالة كوريا الشمالية، حيث أن كل تلك الأنظمة تتشابه في أنها حكمت بلادها وشعوبها دون الاستناد الى مسوغ قانوني او دستوري، بل لم يوجد لها دستور معمول به أصلاً.
نأمل أن تدرك الإدارة الجديدة أن عليها أن تجعل من كل السوريين حاضنة شعبية لها، وليس فئة او مجموعة بذاتها، من خلال إشراك وتمثيل كافة الفئات والقوميات في رسم معالم الدولة وإدارة البلاد، وأن لا يتم ابتكار حلول بديلة غير مألوفة في إدارة البلاد، فهذا هو الهاجس الأكبر الذي يؤرق المواطنين السوريين بمختلف انتماءاتهم، بل الاعتماد على تجارب الدول المتقدمة التي أنجزت تحررها ومن ثم باشرت ببناء دولتها الحديثة دون مخالفة لأدنى شروط قيام الدولة ومعاييرها بحيث تحصل على الاعتراف الكامل بها من قبل الدول الأخرى والأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية لتتبوأ مكانة مرموقة في المحافل الدولية، فقلب سوريا كبير ويتسع لكافة أبنائها.