سوريا الى اين

  سوريا الى اين

حسن قاسم

عبر التاريخ كان ثمّة صراعٌ دوليٌ كبير يدور على أرض سوريا لما تشكله من موقع استراتيجي يتوسط القارات، وتمتلك خصائص جيواستراتيجية قلّما تتوفر في أية منطقة في العالم. فضلا عن التنوع البشري الذي يزيدها غنى تراثياً وحضارياً.
وسط التيارات المتعارضة تقف سوريا كمرآة المصالح المتعارضة على المستوى الدولي، وليس من قبيل المصادفة أن تعكس سوريا في تركيبتها السياسية الداخلية منافسة جيرانها وخصوماتهم حتى قيل أن من يقود الشرق الأوسط لابد له من السيطرة على سوريا فهي تشرف على الممرات الشمالية الشرقية الموصلة الى مصر وعلى شمال الجزيرة العربية والحدود الشمالية للعالم العربي.
مع انشغال روسيا في حرب أوكرانيا وترهل حزب الله في لبنان بعد حرب الاسناد، صار الصراع على سوريا أمام شكل جديد وعوامل مختلفة، وبرز نفوذ تركيا على الأرض من خلال سيطرة فصائل هيئة تحرير الشام على دمشق وهروب بشار الأسد الى روسيا وانسحاب القوى التابعة لإيران، وشن اسرائيل الهجمات على بقايا مواقع الجيش السوري وتدمير أسلحته الاستراتيجية، كل ذلك أثار قلق بعض الأنظمة العربية التي سارعت الى عقد اجتماع في العقبة الأردنية للجنة اتصالها حول سوريا.
لم تكن تركيا وإسرائيل على وجه الخصوص في انتظار دعوة من أحد للتدخل وفق مصالح واضحة ومحددة، تركيا خططت وهندست ما أطلق عليها عملية ردع العدوان، واسرائيل كانت في صورة المعلومات الأساسية وبدت مستعدة ومتأهبة للخطوة التالية فالتقت استراتيجيات ومصالح وانتهى أمر النظام السابق في عشرة أيام.
كل يوم يتبين أننا أمام صراع قوي ومتغيرات نراها ولا نعرف الى ماذا سوف تنتهي؟ أو اذا كان لها من نهاية، لكن الذي يبدي للعيان فإن دمشق باتت محور اهتمام اقليمي ودولي واسع ومحاولات لاستكشاف توجهات الادارة الجديدة ورؤيتها لمستقبل سوريا، وتحت أنظار الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل كمظلة تخيم على ما يجري من أحداث تبرز مشاريع عدة هدفها التأثير على القرار السياسي في سوريا من أهمها المشروع السعودي (الخليجي) وبمباركة مصرية والذي يتلخص بإعادة بناء الجسور بعد عقود من العزلة، ووضع خطط مستقبلية موسّعة في جميع المجالات الاقتصادية والاستفادة من الفرص الاستثمارية التي توفرها دول الخليج العربي، والوصول الى شراكة حقيقية تهدف الى حفظ السلام والاستقرار في المنطقة كلها وتحسين الواقع الاقتصادي للشعب السوري وتعزيز العلاقات على قاعدة المصالح المشتركة وعودة سوريا الى حاضنتها العربية.
ثمة مشروع آخر تطرحه تركيا وقطر ذاو طابع إيديولوجي اخواني والمراهنة على حصان الاسلام السياسي في بناء دولة ذات نظام مركزي وبلغة المصالح تطمح تركيا لعقد اتفاق مع سوريا الجديدة برسم الحدود البحرية بين البلدين وكمحاولة للاستثمار الاقتصادي في سوريا الضعيفة ولصياغة اتفاق يماثل ما جرى فرضه على ليبيا لكن الاوضاع المالية الحالية لا تساعد اللاعب التركي على سد فجوات الاقتصاد السوري المنهك أو الاضطلاع بأية أدوار تمويلية لإعادة إعمار سوريا.
بين هذا وذاك فالوضع لايزال سائلا وحقائقه سوف تتضح تباعا، كان انفراد هيئة تحرير الشام بتشكيل الحكومة المؤقتة من دون أية مشاورة مع القوى الأخرى إشارة مبكرة لما قد يحدث في الأيام المقبلة.