حتى أنت يا بروتس...!

حتى أنت يا بروتس...!

علي جزيري

عبارة توحي بالدهشة والاستغراب، وردت في أحد مشاهد مسرحية شكسبير، تفوّه بها يوليوس قيصر لما رأى صديقه بروتس بين مَنْ أقدموا على اغتياله. وقد استوقفتني العبارة عقب فرار الطاغية، حين أقدم بعض المكوّعين المواظبة على الإساءة لشعبنا الكردي في سوريا، وطعنه في الظهر، مما دفعتنا لإدراج إساءاتهم تلك تحت يافطة خطاب الكراهية المقيت.
من هؤلاء، على سبيل المثال لا الحصر، رسام الكاريكاتير الساخر علي فرزات، رغم أن الكرد السوريين بكافة فئاتهم تضامنوا معه في محنته، لما نكلت به شبيحة بشار واختطفوه عام 2011، وتعرّض حينها للاعتداء (كدمات في الوجه والعين، وكسور في اليد والأصابع)، ثم ألقوا بجثته الهامدة على قارعة الطريق قرب مطار دمشق، بعد أن حشروه داخل كيس أسود، وقد أسعفه أحد المارة إلى مشفى الرازي يومها.
إن ما تعرّض له فرزات، واستئصال حنجرة القاشوش منشد الثورة في حماه، الذي ألهم المنتفضين بأغانيه الحماسية، ومنها: "يلا ارحل يا بشار"، وما ارتكبه رعاع الأسد من جرائم نكراء مماثلة، أوحت لكل ذي بصيرة بفقدان النظام آنذاك القدرة على الحوار مع سائر المكوّنات، وتحوله إلى ممارسة البلطچة...!
بيد أن فرزات صبَّ جام غضبه على الكُرد، وكان الأجدر به أن يوجه سهامه المسمومة تلك إلى الجارة تركيا مثلاً، التي استباحت الجغرافيا السورية (المناطق ذات الأغلبية الكردية، في الجزء الكوردستاني الملحق بسوريا). وراح ينعتهم بالانفصاليين، أي ذات التهمة التي كان النظام البائد يروّجها كماركة مسجلة، حين كانوا يطالبون بأبسط حقوقهم المشروعة، ويناضلون ضد سياسة التعريب المنتهجة، ومشاريع التغيير الديموغرافي السيئة الصيت، كالإحصاء الجائر والحزام العربي، وتمادى - فرزات - في قذف الكرد بألفاظ بذيئة (همج، رخويات، غربان وضباع) تحلق بسوريا، تريد نهشها وتمزيقها. واختتم كلامه: لتنعق الغربان وتجعر الضباع ما تشاء، ولتذهب بعيداً عن سوريا، مما أثار بتطاوله المذكور نقمة الكرد الذين كانوا يجدون فيه حتى الأمس القريب صديقاً لهم، رغم أنه لم يحرك ساكناً طيلة خمسة عقود ونيِّف من استباحة النظام البائد الدم الكردي وما تعرض له شعبنا من قهر، وها هو اليوم يمضي متفاخراً بأنه كان يسخر في رسوماته من الفساد، ويسوق دليلاً بإفادة الملثمين يوم اختطافه قائلين: (تعلّم ألّا تتطاول على أسيادك) ...!
وفي الختام لا يسعني إلا أن أهمس في أذنيه وكل مَنْ على شاكلته: تُرى مَنْ لم يتصدَّ منا لنظام البعث الجائر ويدفع ضريبة مواقفه؟ حتى ابني اليافع (17 سنة) في ظل حكم آل الأسد، تم توقيفه في فروع الأمن السياسي في الحسكة والقامشلي، وسيّق كضحية أخيراً إلى فرع فلسطين، جرّاء كتابته لمقالة في صحيفة تحت عنوان: (سوريا يجب أن تكون لكل السوريين وليس لآل الأسد فقط). أوردتُ هذا ليس من باب الافتخار بل من باب ما اقتضاه الواجب ليس إلا.
أما آن الأوان أن نتأمل جيداً المقولة الشهيرة لطيب الذكر ماركس: (أي أمة تقمع أمة أخرى، لن تكون حرة)، تلك التي قيلت في وصف الفترة التي هيمنت فيها البرجوازية على الطبقة العاملة في إنكلترا.