أنا والحكيم (لتبقى حراً)

    أنا والحكيم (لتبقى حراً)

عبدالحميد جمو

لا تزال ذاكرتي تحتفظ ببعض المشاهد التي كبرت معي، ورغم صراعي مع السنين التي أوصلتني إلى شفا الموت، إلا أن ذلك الطفل في داخلي لا يزال يعبث بذكرياتي. أحياناً كثيرة، حين أغوص في تلك الصور القديمة، أشعر أني لم أكبر بعد؛ ما زلت ذلك الطفل الشقي المتمرد. من بين تلك الذكريات، تبرز حادثة رافقتني ولا تزال تدغدغ ذاكرتي.
كان هناك شيخ مسنّ يجوب شوارع مدينتنا بثيابه المتسخة وشاله المهترئ، متكئاً على عصاه. ورغم كبر سنه، كان يسير بسرعة ويُدندن كلمات لم أفهمها، لكنها كانت تجذبني بشكل غريب. كان أطفال الحي يلاحقونه.
كثيراً ما تشاجرت مع أطفال الحي دفاعاً عنه، بل أحياناً كنت أضربهم حتى يبتعدوا. لم أكن مؤذياً كما يعتقد البعض، لكنني كنت شديد الطباع، لا أقبل الظلم أبداً. أتعامل مع الكبار باحترام، وأتجاهل إساءاتهم لي. كنت أرى في هذا الشيخ حكمة، رغم أن الجميع كانوا يصفونه بالمجنون.
تعلّمت من أمي أن أستمع إلى كبار السن وأستقي الحكمة من أقوالهم، ولذلك كنت أمسك بيده وأرافقه أينما شاء. كان يشعر بالراحة حين أكون معه. ذات يوم، كنت أسير معه في طريق ترابي، عندما مرت عربات مسرعة تجرها الخيول، ناشرة الغبار في كل مكان. شعرت بالانزعاج وهممت بالسباب، لكنه أمسك بيدي بقوة وقال:
"من الحكمة أن تضبط أعصابك. هؤلاء كثيرون، ونحن لا نملك ما ندافع به عن أنفسنا. تعلم أن تزن كلماتك جيداً قبل أن تقولها."
ضحكت وقلت له ساخراً: "كيف أزن الكلمات؟ هل لها وزن؟ وأي ميزان يمكن أن يحملها؟"
ابتسم وقال: "عندما خلق الله الكون، خلقه بميزان".
ضحكت بشدة وقلت: "أي ميزان يحمل هذا الكون؟ هل تظنني خرفاً مثلك؟"
ابتسم بلطف وأشار إلى رأسه وقال: "هذا هو الميزان."
بدأ يشرح لي بهدوء: "الأرض والسماء وكل ما بينهما، يعمل بتوازن دقيق. لو اختل هذا الميزان قليلاً، لانهار كل شيء. الجاذبية، المياه، الهواء، الجبال... كلها تعمل بتناغم لتوازن الكون. وكذلك نحن البشر، يجب أن نزن كلماتنا وأفعالنا حتى لا نسبب الفوضى".
شعرت أن حديثه يحمل معنى عميقاً، رغم أني كنت صغيراً. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت كلماته محفورة في ذهني.