الإطاحة بالأسد: محورية العنف الطائفي والتدخلات التركية
زينه عبدي
لقد أصبحنا نبدأ جولتنا اليومية الأولى بعد الإطاحة بالأسد بتناول مواضيع العنف الطائفي والتغيرات الجيوسياسية المرافقة في سوريا، لا سيما الأعمال الانتقامية المستشرية على جولات منتظمة وعلى وجه الخصوص الطائفة العلوية بسبب انتماء آل الأسد إليها، وهذا ما يناقض تماماً تصريحات الحكومة الحالية ذات الطابع المندد بالعمليات الانتقامية، ناهيك بالتدخلات الخارجية بغية الاستيلاء وبناء مشاريع استيطانية بشكل غير مباشر على الأراضي السورية وتركيا أنموذجاً.
هل العنف الطائفي مستشرٍ في ظل حكومة الشرع؟
في ظل المرحلة الانتقالية في سوريا والفوضى المرافقة لها من الطبيعي جدا ازدياد التحديات التي سيواجهها الشعب السوري، ورغم أن خطابات السلطة الجديدة في سوريا تدعو معظمها إلى بناء سوريا الجديدة على أسس ديمقراطية وعدالة شاملة مما يعني توحيد المجتمع السوري بمنأىً عن التمييز، ولكن يظل هناك سؤالٌ: هل السلطة الجديدة والتي تترأسها هيئة تحرير الشام تظهر لنا صورة إيجابية حالياً عكس ما تضمره على مبدأ كسب التأييد والتعاطف لاسيما في ظل الغموض والاتجاه نحو المجهول في خضم المرحلة الانتقالية الأولى والأصعب باعتقادي.
سقط الأسد ولكن فلوله باقية وستتمدد وهذا يعتبر سبباً رئيسياً لما نلاحظه حالياً حول المستجدات الأخيرة الحاصلة فيما يتعلق بالعنف الطائفي، ويظهر لنا بدقة أن فلول النظام السابق موجودة وتحاول زعزعة الاستقرار في المنطقة كون خبر إسقاط الأسد سقط كالصاعقة على مسمعهم. أعتقد وبسببها ستنجر سوريا نحو الكثير من الحروب الأهلية على اعتبار أن النظام السابق قد هيأ أرضية من الطراز الرفيع للعنف الطائفي وبامتياز، لذلك يجب التعامل مع هذه الفلول بحذر وتروٍ وحكمة بما يتناسب مع البروتوكولات الرسمية في التعامل والمحاسبة بأطر قانونية، ومحاولة كسبهم شيئاً فشيئاً.
أعتقد وبعد التجربة المريرة التي أذاقها بيت الأسد للمجتمع السوري ينبغي على السلطة الجديدة والمؤقتة في سوريا أن لا تظهر دهاءً سياسياً فحسب، وإنما أن تكون جادة وحذرة في وضع اللبنات الأولية لبناء سوريا الجديدة والتي يمكن إدارتها بموجب إعلان دستوري يعتبر الوثيقة القانونية في سوريا حالياً، والتي بموجبها تتشكل أرضية لتدشين مرحلة الاستقرار والتي تتطلب وبشكل أساسي عدم تجاهلها لما يحصل من تمييز وتعنيف بحق بعض الطوائف السورية، فالمشهد الأخير يدلي بخطورة الوضع وتداعياته الأمنية والسياسية وهذا يحتاج إلى قراءته بجدية والإسراع في استيعابه ومعالجته تحسباً لعدم انزلاقه إلى الداخل السوري أجمع.
لا يمكننا الحكم حالياً إن كانت السلطة الحالية جديرة بالسيطرة على حالات العنف والتمييز الأخيرة في الداخل السوري والمرتبطة بعضها بأشخاص تابعين لهيئة تحرير الشام أم لا، ولعلها تحدٍّ كبير للوصول إلى حل مستدام لما سببته من شرخ بين المكونات والسلطة على الصعد القومية والأيديولوجية والدينية والطائفية وكذلك السياسية حالياً.
الخطابات غير ضامنة
برز أحمد الشرع، القائد العام للإدارة السورية، في عديد اللقاءات الصحفية مطمئناً المجتمع السوري عبر إرساله رسائل إيجابية على كافة الصعد داخلياً وخارجياً وفي قدرة السلطة المؤقتة على تجاوز الصعوبات، إلا أننا في مرحلة البنج حالياً بعد العملية الجراحية التي استُئصلت خلالها الكتلة السرطانية التي فتكت بجسم الشعب السوري، يروق لنا كل شيء وبحب حتى القبح نراه جميلاً، وهنا لا بد أن ندرك جميعاً أننا في مرحلة الخطر الحقيقي المحدق بنا والذي يحض بشكل مباشر على العنف بكل أشكاله ضمن سيناريوهات الفوضى الآنية التي خلفتها المنظومة الأسدية على مدار 54 عاماً وكانت أخطرها خلال ال13 سنة المنصرمة، وبما أن هذه الخطابات غير ضامنة إطلاقاً للحد من الصراعات والخلافات الطائفية، واجب على السلطة الجديدة أن تصرح علناً بشفافية تامة وبإطار رسمي عن استعدادها التام للتعامل مع السيناريوهات المهددة للأمن الداخلي واتخاذ إجراءات جادة من شأنها التخفيف من خطابات الكراهية ضد أقلية أو مكون أو طائفة من المجتمع السوري.
من جانب آخر وعلى اعتبار أن تصرفات جمّة تنسب ضمناً لهيئة تحرير الشام بإدارة أحمد الشرع والتي وصفت بأنها تصرفات فردية، إلا أنه وبرأيي فإن هذه التصرفات بتراكمها ستزيد من الكراهية والعنف ضد السلطة الجديدة وبالتالي القيام بثورة جديدة ناقمة رغم التطمينات المسبقة من الشرع.
ويحتل الخطاب الإعلامي مساحة شاسعة في نقل الأحداث الطائفية الأخيرة والتي استغلت بشكل ممنهج من قبل بعض المؤسسات الصحفية والإعلامية، الأمر الذي أجج هذا الصراع في محاولة منها لخلق أزمة مستمرة في سوريا وارتدادها باتجاه الأفق الضيق فيما يخص الهويات الوطنية الجامعة، الخطاب التحريضي الإعلامي أتاح للقواعد الشعبية أدوات يمكنها مخاطبة عواطف الجماهير وإحباطها وبالتالي فإن مواجهته تستوجب دراسة شاملة.
التدخل التركي قيد التنفيذ
زيارات تركيا المتدافعة واحدة تلو الأخرى إلى دمشق العاصمة بعد سقوط الأسد باتت موضع ريبة بالنسبة للشعب السوري، ولا سيما أن تاريخها حافل بتدخلات سابقة في الشأن السوري، ورغم إظهارها عبر خطاباتها الرسمية واللقاءات الإعلامية تقديم الدعم وبالإيجابية المطلقة اقتصادياً في مجالات الدفاع والتعليم والطاقة، إلا أن نواياها مختلفة تماما خاصة بعد طرحها فكرة ترسيم الحدود البحرية.
تحاول تركيا التدخل في صياغة الدستور والهيكل السوري الجديدين بعيداً عن الأطر القانونية والإنسانية التي تطرحها كافة المعاهدات والمواثيق الدولية والتي تراعي الأبعاد الواقعية للأوضاع الحالية لأية دولة، خاصة وأن تركيا كانت السباقة في دعم المعارضة السورية مادياً وعسكريا بما فيها هيئة تحرير الشام وهذا باعتقادي يعتبر داعماً أساسياً للحرب الأهلية والطائفية في سوريا.
باتت الترتيبات معقدة بالنسبة لتركيا في علاقتها مع واشنطن مما يدفع بفصائلها نحو خلق الفتن في الداخل السوري لتعزيز وجودها من جهة والتخلص من أعباء التحديات التي تواجهها داخليا وخارجيا من جهة أخرى، بالإضافة إلى استغلالها الواضح حاجة سوريا لكل أنواع الدعم الملح والماسّ بعد الخسارات الجسيمة التي تكبَّدتها بفعل إجرام آل الأسد، الأمر الذي يساعدها في تأجيج الصراعات الداخلية بسوريا.
وأخيراً، علينا جميعاً أن نكون حذرين في التعاطي مع مسألة خطاب الكراهية ضد بعض الطوائف على أسس الانتماءات الدينية لأنها تعتبر انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان، إضافة إلى عدم السماح لدول الجوار أو الدول الأخرى بالتدخل في المسألة السورية تحسباً لعدم الإيقاع بحروب طائفية أخرى عدا تلك التي خلفها النظام الفار.