التنوع أساس الوحدة في سوريا المتجددة

  التنوع أساس الوحدة في سوريا المتجددة

عزالدين ملا

عندما اندلعت الثورة السورية، كان أول مطالبها إسقاط نظام الأسد، الذي حكم البلاد بقبضة من حديد وحوّلها إلى مزرعة لعائلته وأزلامه. كانت هذه المطالب تمثل رغبة شعبية في التحرر من عقلية الحزب الواحد والفكر الشمولي، التي أدت إلى الاستبداد والديكتاتورية وقمعت الأصوات المخالفة. إلا أن المرحلة التي تلت سقوط النظام كشفت عن تحديات جديدة أمام بناء سوريا جديدة، حيث ظهرت أصوات تسعى للعودة إلى نماذج الحكم الشوفيني والعنصري التي أدت إلى قمع التنوع السوري الغني.
سوريا تُعرف بتنوعها الفسيفسائي، إذ تضم مختلف الأعراق والطوائف من عرب وكورد وآشوريين ودروز وعلويين ومسيحيين وغيرهم. إلا أن النظام البعثي رسّخ لسنوات طويلة فكرة أن سوريا عربية فقط، ما همّش الأقليات وأقصى حقوقهم. وكانت السياسات القمعية تهدف إلى طمس هويات هذه المكونات، وخاصة الكورد، من خلال منعهم من تعلم لغتهم الأم، وحرمانهم من الحقوق الأساسية كالجنسية والملكية.
إذا ما عُدنا تاريخيا، نجد أن الشعب الكوردي عاش في سوريا تحت ظروف صعبة من التهميش والإقصاء، وكانوا الأكثر تعرضاً لسياسات النظام البعثي الذي استخدم الحزب كأداة لغرس الشوفينية في عقول العرب السوريين. ونتيجة لذلك، عانى الكورد من التمييز في جميع مجالات الحياة، بدءاً من التعليم وصولًا إلى التوظيف، بالإضافة إلى سياسات تهدف إلى تغيير التركيبة السكانية في مناطقهم من خلال مشاريع مثل الحزام العربي، الذي تم بموجبه توطين سكان عرب في مناطق كوردية بهدف طمس الهوية الكوردية.
أمام كلّ ذلك، تُظهر الانتفاضة الكوردية عام 2004، كيف كانت هذه السياسات القمعية دافعا رئيسيا لظهور ثمرة نضال الحركة السياسية الكوردية التي كانت تطالب بالاعتراف بالحقوق الكوردية الثقافية والسياسية وحق المواطنة. ورغم القمع الوحشي الذي تعرض له الكورد خلال هذه الانتفاضة، إلا أنها نجحت في تسليط الضوء على معاناتهم وإثارة انتباه باقي مكونات الشعب السوري إلى مظلوميتهم.
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، أُتيحت فرصة جديدة لجميع مكونات الشعب السوري للمطالبة بحقوقهم وإعادة بناء سوريا على أسس العدالة والحرية. كان الحراك الشعبي في بداياته يعبّر عن تطلعات جميع السوريين نحو دولة ديمقراطية تحترم التعددية وتضمن حقوق الأفراد. ومع تصاعد الأحداث، باتت الثورة فرصة للكورد وغيرهم من الأقليات للمطالبة بحقوقهم المشروعة التي تم تهميشها لعقود.
لكن بعد سقوط النظام، بات من الضروري البحث عن نظام حكم يضمن تمثيل الجميع ويمنع العودة إلى ممارسات الاستبداد. في هذا السياق، برزت فكرة الفيدرالية كخيار يضمن التعايش بين جميع المكونات السورية، حيث تتيح لكل طيف إدارة شؤونه الداخلية مع الحفاظ على وحدة الدولة. هذا النموذج يُعتبر الأمثل للدول ذات التنوع العرقي والطائفي، إذ يوازن بين المركز والأقاليم، ويوزع السلطات بطريقة تضمن المشاركة الفعالة للجميع.
مع هذا النموذج المتوازن والجيد للفيدرالية بما يتماشى والتنوع السوري، ولكنها هذا المفهوم يواجه رفضا من بعض الشرائح في المجتمع السوري، حيث ارتبطت الفيدرالية في الأذهان بالتقسيم والانفصال. هذا التصور الخاطئ هو نتيجة ثقافة سياسية رسّختها الأنظمة الشمولية في الشرق الأوسط. إلا أن الفيدرالية، في جوهرها، تعني الاتحاد والتماسك، فهي نظام سياسي حديث يحقق التوازن بين احترام الخصوصيات المحلية والحفاظ على وحدة الدولة.
في سوريا، يمكن للنظام الفيدرالي أن يضمن حقوق جميع المكونات، ويُذيب جدار الحقد والكراهية الذي بناه النظام السابق. كما أن الفيدرالية تتيح لكل مكون إدارة موارده المحلية وتطوير مجتمعه، مع الحفاظ على السيادة الوطنية في القضايا الكبرى مثل الدفاع والسياسة الخارجية.
يتطلب تحقيق الفيدرالية في سوريا خطوات عملية تبدأ بالتوعية بمفهوم الفيدرالية وفوائدها. ويجب على النخب السياسية والمثقفين أن يعملوا على تغيير التصورات السلبية حول الفيدرالية من خلال حوارات وطنية شاملة تجمع كافة أطياف المجتمع السوري. كما ينبغي تضمين الفيدرالية كخيار دستوري في النقاشات حول مستقبل سوريا، بما يضمن تمثيلا عادلا لجميع المكونات في إدارة شؤون البلاد.
تحتاج سوريا إلى تحقيق العدالة الانتقالية لتجاوز عقود من الظلم والقمع. يتطلب ذلك الاعتراف بالمظالم التي عانت منها الأقليات، وخاصة الشعب الكوردي، وتعويضهم عن الانتهاكات التي تعرضوا لها. كما يجب اتخاذ خطوات جادة لتغيير الثقافة السياسية التي زرعها النظام البعثي، والتي قامت على الشوفينية والتمييز.
تشمل العدالة الانتقالية محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت بحق الشعب السوري بكافة أطيافه، والعمل على بناء مؤسسات وطنية قوية تعتمد على مبدأ المواطنة واحترام حقوق الإنسان. كما ينبغي أن تكون هناك خطوات لإصلاح النظام التعليمي والإعلامي من أجل نشر قيم التسامح والتعايش بين مكونات المجتمع.
لأجل إقناع المجتمع السوري بجدوى الفيدرالية، يمكن الاستفادة من تجارب دولية ناجحة تبنت هذا النموذج وحققت من خلاله الوحدة والاستقرار. من أبرز الأمثلة على ذلك، سويسرا التي تُعتبر نموذجا رائدا للتعايش بين مكونات متنوعة دينيا ولغويا. فقد استطاعت الفيدرالية السويسرية ضمان توازن بين المركز والمناطق المختلفة، مع إعطاء صلاحيات واسعة للحكومات المحلية.
يُعدُّ النظام الفيدرالي في كندا نموذجاً آخر يُظهر كيف يمكن لدولة متعددة الثقافات واللغات أن تبني نظاماً قوياً يحترم حقوق الجميع. في هذا السياق، يمكن لسوريا أن تستفيد من هذه التجارب لتطوير نموذجها الخاص الذي يناسب خصوصياتها الثقافية والاجتماعية.
يجب أن يدرك الجميع، أنه لا يمكن لسوريا أن تعود إلى عقلية الإقصاء والاستبداد. بل يجب أن تُبنى على أسس جديدة تعكس تنوعها الفسيفسائي وتضمن المساواة لجميع مواطنيها. من خلال نظام فيدرالي يعترف بحقوق الجميع ويتيح لهم المشاركة الفعالة في بناء مستقبل بلادهم، يمكن تحقيق وحدة وطنية حقيقية تُبنى على التسامح والمحبة.
في هذا السياق، يمثل النظام الفيدرالي فرصة لتطوير المناطق المختلفة في سوريا، حيث يمكن لكل إقليم أن يدير موارده، ويطوّر بناه التحتية بما يتناسب مع احتياجات سكانه. هذا النموذج سيضمن تنمية متوازنة لجميع المناطق، ويعزز الشعور بالانتماء الوطني لدى الجميع.
لذلك، ولتحقيق هذا الحلم يتطلب تعاون جميع مكونات المجتمع السوري، حيث يجب أن يكون هناك حوار وطني شامل يجمع كافة الأطراف للاتفاق على رؤية مشتركة لمستقبل سوريا. من خلال هذا التعاون، يمكن بناء دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتضمن كرامة جميع مواطنيها.
سوريا المستقبل لا يمكن أن تكون إلا لكل السوريين، حيث يعيش الجميع في حرية وكرامة تحت مظلة دولة قانون تضمن حقوق الإنسان وتحقق العدالة للجميع. الفيدرالية ليست تهديداً لوحدة سوريا، بل هي السبيل الأمثل لبناء وطن يحترم تنوعه ويعزز تلاحمه.
وبفضل الفيدرالية، يمكن لسوريا أن تصبح نموذجاً للتعايش في منطقة عانت طويلاً من النزاعات والتقسيم.