البارزانية والكوردايتي....طريق الخلاص
محمد صالح شلال
أسباب كثيرة حالت دون حصول الشعب الكوردي على حقوقه المشروعة وإقامة كيان خاص به على أرضه التاريخية التي عاش عليها منذ آلاف السنين.
الفكر القومي أو ما يعرف في القاموس السياسي اللاتيني بـ (Nation) والذي يختزل في طياتها مفهوم القومية والوطنية معاً، وكذا يقابله في القاموس السياسي الكوردي مفهوم (الكوردايتي).
مع أن الكورد يحملون بداخلهم شعوراً قومياً جياشاً إلا أن المتتبع لتاريخهم يجدُ بوضوحٍ عدم وجود فكر قومي جامع لديهم والذي كان سبباً رئيساً في القضاء على ثوراتهم وانتفاضاتهم وبقاءهم دون كيان خاص يجمعهم.
في أواخر القرن الثامن عشر ومع انتشار الحركات القومية والفكر القومي في المنطقة برز في كوردستان مصطلح الكوردايتي بمجيء البارزانية وأصبح مفهوماً واحداً للقومية والوطنية. لذا يخطئ من يختزل البارزانية في إيديولوجية حزب أو فكر عصبة أو ملة.
من هنا تكمن أهمية البارزانية التي نشأت في قرية صغيرة بدأت بتأسيس اتحاد سياسي، اجتماعي بين عدة قبائل في منطقة بارزان مبني بالدرجة الأساسية على النضال في سبيل إقرار حقوق الشعب الكوردي من جهة، واحترام حقوق الإنسان والمحافظة على البيئة والرفق بالحيوان من الجهة الأخرى، فبدأت بتطبيق إصلاحات اجتماعية من خلال تشكيل مجالس قروية أنهت بذلك حكم الإقطاع والأغوات نهائياً في منطقة بارزان، لتبدأ مرحلة جديدة من النضال ولتصبح بارزان منبعاً للانتفاضات والثورات ضد الظلم والطغيان، وانتشرت شيئاً فشيئاً في عموم كوردستان، حاملة ميراثاً فكرياً جامعاً تعدت الأفكار الحزبوية والتعصبية الضيقة، وأصبحت تؤسس لفكر قومي، ووطني جامع للكوردستانيين عرف بـ (الكوردايتي).
وعلى مدى عقود من الزمن يُسَلِم الراية هذا لذاك ليقترن اسم الكورد باسم (بارزاني) ملا مصطفى.
اليوم وفي ظل المتغيرات الحاصلة في المنطقة نحن أحوج ما نكون إلى فكر يجمعنا للوصول إلى الهدف والغاية التي نناضل من أجل تحقيقها.
من هنا برز دور الرئيس مسعود بارزاني الذي استلم راية الكوردايتي وأصبح رمزاً للحركة التحررية الكوردستانية من خلال دعمه المباشر للشعب الكوردي وحركته في جميع أجزاء كوردستان. وأصبح أملاً للشعب الكوردي الذي وجد في شخصه المخلص والمؤمِن لتحقيق طموحاته. فأثبت بجدارة أنه أهل لها، وأصبح في المعادلة الإقليمية طرفاً لا يمكن تجاوزه، حاملاً هموم شعبه وحامياً لأمنه القومي والوطني.
لا يخفى على أحد الدور البارز لقيادة إقليم كوردستان والرعاية والإشراف المباشر من شخص الرئيس مسعود بارزاني لتوحيد الخطاب الكوردي للحركة الكوردية في كوردستان سوريا لمعرفته المسبقة ونظرته الثاقبة بما ستؤول إليه المتغيرات في المنطقة، فكان شرطه الأساسي لدعم الحركة الكوردية هو تحقيق وحدة خطابهم السياسي على أقل تقدير والمحافظة عليه. فكان نتيجة ذلك تأسيس المجلس الوطني الكوردي ومن ثم وبالاتفاق مع مجلس غربي كوردستان تشكيل الهيئة الكوردية العليا التي تمخضت عن اتفاقية هولير بإشراف مباشر من الرئيس بارزاني.
كما يعلم الجميع تعرض ويتعرض بسبب ذلك إلى الضغوطات والمضايقات من هذا وذاك بسبب مواقفه النابعة من إيمانه بالكوردايتي وحرصه على حقوق شعبه لكنه لم يرضخ يوماً لتهديداتهم.
اليوم وبعد سقوط نظام البائد في سوريا شعر الرئيس بارزاني وبحكمته المعتادة الخطر الذي يحيط بالكورد وقضيتهم العادلة في سوريا وضرورة توحيد الخطاب الكوردي في كوردستان سوريا في هذا الظرف الحساس كانت مبادرته التاريخية من خلال توجيه رسالة إلى قائد قسد عبر مبعوثه الدكتور حميد دربندي، ومن ثم استضافته وكذلك رئاسة مجلس الوطني الكوردي، والعمل على تقريب وجهات النظر لتشكيل وفد كوردي موحد يمثل الكورد في مخاطبة السلطة الجديدة في دمشق.
هكذا هو دائماً، ماضٍ في مسيرته مؤمناً بتحقيق أماني شعبه، واثقاً من خطواته لأنه يعمل وفق الاستراتيجية التي وضعت من خلال النظرية الفكرية التي أثبتت نجاحها وجدارتها على الساحة الكوردستانية، اكتسب بذلك حب شعبه، وأصبح رمزاً لشعبه وحاملاً لفكر ونهج الكوردايتي.
بالنتيجة لا بد من نظرية فكرية للوصول إلى الغاية أو الهدف المنشود فالفكر طريق لتحقيق الهدف، والبارزانية كمدرسة فكرية أنتجت نظرية الكوردايتي بمفهومها الواسع فاختزلت القومية في الوطنية، واجتازت الأفكار الحزبوية، وأثبتت جدارتها في قيادة الشعب الكوردي وحركته، وأصبحت مظلة لتوحيد طاقاته وخطابه السياسي من أجل تحقيق آمال وطموحات الشعب الكوردي الذي بات مؤمناً بأن الكوردايتي هو طريق خلاصهم إلى ذلك.