تشكيل شرق أوسط جديد.. وآفاق الحقوق القومية للكرد

تشكيل شرق أوسط جديد.. وآفاق الحقوق القومية للكرد

محمد أمين أوسي

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات جذرية وغير مسبوقة بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان يمثل حجر الزاوية للمحور الإيراني في المنطقة، إلى جانب التصعيد الإسرائيلي المكثف ضد حزب الله في لبنان وحركة حماس في غزة. هذه التطورات تأتي لتعيد رسم خارطة المنطقة، وتضع ملامح شرق أوسط جديد يتشكل على أنقاض أنظمة قديمة وصراعات مستمرة. في ظل هذه التغيرات، يبرز سؤال مهم: لصالح من يتشكل هذا النظام الجديد؟ وما هي فرص الكرد في سوريا لتحقيق حقوقهم القومية وسط هذا الواقع المتغير؟
سقوط الأسد مثّل أحد أكبر الأحداث الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة. النظام الذي حكم سوريا بقبضة حديدية لعقود طويلة انهار بعد سنوات من الحرب الأهلية المدمرة، مما أدى إلى تفكك السلطة المركزية وترك البلاد في حالة فراغ سياسي وأمني كبير. هذا السقوط لم يكن مجرد نتيجة للصراعات الداخلية، بل جاء نتيجة لتداخل قوى دولية وإقليمية، كانت كل منها تسعى لتحقيق مصالحها عبر المشهد السوري. إيران، التي كانت الحليف الرئيسي للأسد، تجد نفسها الآن في موقف صعب، إذ فقدت حلقة استراتيجية أساسية كانت تربطها بحزب الله في لبنان وحلفائها في فلسطين. خسارة سوريا كحليف استراتيجي تشكل ضربة كبيرة لطموحات إيران الإقليمية، ما يدفعها إلى تعزيز وجودها في مناطق أخرى، مثل العراق ولبنان، لمحاولة تعويض هذا الفقدان.
روسيا، التي لعبت دورًا محوريًا في دعم الأسد عسكريًا وسياسيًا، تواجه الآن تحديًا كبيرًا في الحفاظ على نفوذها في سوريا بعد سقوط النظام. موسكو كانت ترى في سوريا نقطة ارتكاز لوجودها في الشرق الأوسط، ولكن انهيار النظام يعني أن عليها إعادة ترتيب أولوياتها للحفاظ على ما تبقّى من نفوذها في المنطقة. قد تسعى روسيا إلى استخدام ورقة الكرد كورقة ضغط جديدة في التفاوض مع تركيا أو القوى الغربية، ما يضع الكرد في موقع حساس ضمن المشهد المتغير.
إسرائيل استفادت بشكل كبير من سقوط الأسد لتعزيز استراتيجيتها الإقليمية. مع انهيار النظام السوري، تقلص النفوذ الإيراني بشكل كبير في سوريا، ما يوفر لإسرائيل فرصة لضرب أذرع إيران في المنطقة بشكل أكثر جرأة. التصعيد الإسرائيلي ضد حماس وحزب الله يأتي في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، واستغلال لحظة الفوضى الإقليمية لتحقيق مكاسب أمنية طويلة الأمد. لكن إسرائيل تدرك أيضًا أن سقوط الأسد قد يؤدي إلى صعود جماعات مسلحة جديدة في سوريا قد تكون أكثر عداءً لها، ما يجعلها تتحرك بحذر لضمان أن تكون التحولات الإقليمية لصالحها.
وسط هذا المشهد الإقليمي المتغير، يجد الكرد في سوريا أنفسهم أمام فرصة تاريخية لتحقيق حقوقهم القومية التي طالما ناضلوا من أجلها. انهيار الدولة المركزية في سوريا يوفر فرصة للكرد لتعزيز وجودهم في مناطقهم التاريخية والمطالبة بحقوقهم السياسية والثقافية. الكرد، الذين يشكلون ثاني أكبر قومية في سوريا، يعانون منذ عقود من التهميش والحرمان من حقوقهم الأساسية. سقوط الأسد يتيح لهم الفرصة لإعادة صياغة مكانتهم ضمن النظام السياسي الجديد في سوريا، سواء عبر الحصول على حكم ذاتي أو ضمان ترتيبات سياسية تعترف بهويتهم القومية.
لكن تأمين هذه الحقوق يصطدم بتحديّات كبيرة، أبرزها الموقف التركي. تركيا ترى في أي مشروع سياسي كردي في شمال سوريا تهديدًا مباشرًا لوحدتها القومية بسبب ارتباط القضية الكردية في سوريا بالمطالب القومية لكرد تركيا. أنقرة تخشى أن يؤدي تعزيز حقوق الكرد في سوريا إلى تحفيز كرد تركيا على تصعيد مطالبهم، ما قد يهدد استقرارها الداخلي. لذلك، تعمل تركيا على منع أيّ خطوات قد تؤدي إلى قيام كيان كردي مستقل أو حتى منح الكرد حقوقًا قومية واسعة، عبر تدخلات عسكرية وسياسية مباشرة في الشمال السوري.
إلى جانب تركيا، تنظر إيران أيضًا بحذر إلى التحرُّكات الكردية. كرد سوريا يتشاركون طموحات قومية مماثلة للكرد إيران، مما يجعل طهران تخشى من انتقال عدوى المطالب القومية إلى الداخل الإيراني. لذلك، قد تسعى إيران إلى كبح أي تطور سياسي لصالح الكرد في سوريا، سواء عبر دعم فصائل معارضة للمشروع الكردي أو الضغط على القوى الدولية لمنع تحقيق مكاسب للكرد.
القوى الدولية تلعب دورًا حاسمًا في هذا السياق. الولايات المتحدة، التي دعمت الكرد في فترات سابقة، قد تجد نفسها الآن مضطرة للتوازن بين دعمها للكرد والحفاظ على علاقاتها مع تركيا، الحليف المهم في حلف الناتو. في المقابل، روسيا قد تستخدم الملف الكردي كورقة تفاوضية في علاقتها مع تركيا والولايات المتحدة، ما يجعل مستقبل القضية الكردية رهينًا للتوازنات الدولية والإقليمية.
إسرائيل، التي تسعى إلى تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، قد ترى في دعم التطلعات القومية للكرد فرصة لتعزيز استراتيجيتها الإقليمية. على مدى سنوات، أظهرت إسرائيل دعمًا ضمنيًا للكرد في المنطقة، معتبرة أن تحقيق حقوقهم يمكن أن يضعف خصومها الإقليميين مثل إيران وتركيا. هذا الدعم قد يكون جزءًا من رؤية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية لصالح إسرائيل وحلفائها.
رغم الفرص المتاحة، فإن الكرد يواجهون تحديات كبيرة تتطلب منهم مرونة سياسية وحكمة في إدارة علاقاتهم مع الأطراف المختلفة. حقوقهم القومية ليست مجرد مطالب عابرة، بل هي جزء من حركة تاريخية تسعى لتحقيق العدالة والاعتراف بهويتهم ضمن إطار الدولة السورية أو عبر ترتيبات سياسية تضمن لهم مكانة متقدمة في النظام الإقليمي الجديد. لتحقيق ذلك، يحتاج الكرد إلى توحيد صفوفهم الداخلية، وبناء تحالفات سياسية ودبلوماسية قوية مع القوى الكبرى، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع الأطراف الإقليمية مثل تركيا وإيران.
تشكيل شرق أوسط جديد ليس مجرد تغيير في موازين القوى، بل إعادة تعريف للجغرافيا السياسية في المنطقة. سقوط الأسد يمثل نهاية حقبة وبداية أخرى، لكنها تحمل في طياتها تحديات وفرصًا للجميع. إسرائيل وتركيا وإيران والولايات المتحدة يسعون جميعًا لتحقيق مكاسبهم في ظل هذا المشهد المتغير، لكن الكرد قد يكونون من الأطراف القليلة التي لديها فرصة تاريخية لتحقيق حقوقهم القومية. النجاح في استغلال هذه الفرصة يتطلب منهم مرونة ومهارة سياسية كبيرة.
الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكّل الآن يحملُ في طيّاته الكثير من التغيُّرات التي ستحدّد مستقبل المنطقة لعقود قادمة. الكرد في سوريا لديهم فرصة لتحقيق مكاسب تاريخية، لكن الطريق ليس سهلاً، ويتطلب التوازن بين الطموحات القومية والتحديّات الإقليمية والدولية. في النهاية، يبقى تشكيل هذا الشرق الأوسط الجديد مرهونًا بالقدرة على بناء نظام سياسي مستقر وعادل يلبّي تطلُّعات جميع شعوب المنطقة، بما في ذلك الكرد، الذين طالما عانوا من التهميش والاضطهاد في منطقة غنية بتعقيداتها وصراعاتها.