ما السبيل لـ : «نهوض العنقاء من تحت الرماد»؟
علي جزيري
منذ فرار رئيس النظام المخلوع بشار الأسد، سرعان ما تبعثرت أحجار الدومينو لـ «جمهورية الرعب»، التي أقام دعائمها الدكتاتور الأب، ودشّنها من بعده الطاغية الابن على جماجم السوريين؛ وأزاح هذا السقوط المدوّي كابوساً ثقيلاً عن كاهل السوريين، الذين راحوا يتنفسون الصعداء بحق.
لكنْ، ينبغي أن نُدرك بداية بأن ارتياد (جبهة تحرير الشام) مؤخراً قمة الهرم السياسي بسلاسة، كان جرّاء اتفاق دولي وتوافق إقليمي من جهة، ناهيك عن تضحيات سائر المكوّنات السورية من أجل نيل الحرية طيلة خمسة عقود ونيِّف من جهة أخرى، ولا أخفي سرّاً إن قلت إن هذه الفرحة يشوبها الكثير من القلق اليوم في الشارع السوري برمّته، مخافة إعادة تدوير «السياسة» التي كرّسها البعث. وما يزيد من مخاوف الناس وريبتهم تلك الضبابية التي تلف ملامح «حكومة تصريف الأعمال» ذات اللون الواحد، والتلويح بمبدأ الأغلبية وشرعنته، وتبخيس حقوق الأقليات، لأن هكذا سياسة لن تنهي الصراعات بل ستؤجّجها، خصوصاً استنساخ تجربة إدلب ومظاهر الاستئثار لبناء سوريا الجديدة على مقاساتها، فضلاً عن التدخُّلات الخارجية، التي قد تؤدي إلى تكرار السيناريو المصري.
بيد أنّ الحكمة تقتضي القول إن الوقت مازال مبكراً للحكم على ما ستؤول إليها الأحداث، لذا ينبغي السير وفق خطوات موزونة على قاعدة الحوار نحو مؤتمر وطني شامل يقر بمبدأ الشراكة، ويضع أسساً لعقد اجتماعي جديد بين سائر المكونات، كنواةٍ لإقرار دستورٍ يقومُ على أساس العدل والمساواة وتحقيق الحرية والكرامة بعيداً عن طمس هويات كافة المكوّنات في قادم الأيام، ومثل هذا الأمر يتطلّبُ قبل كل شيء اعتماد الشفافية والاقرار العملي بالتنوُّع القومي والديني، لأنّ طمسَ الهويات تحت أية ذريعة، سينجم عنه في المآل الأخير احتكار السلطة بيد قلة قليلة لبناء سوريا الموعودة. إن «العقد الاجتماعي» المشار إليه آنفاً، يعني التّداوُل السِّلمي للسلطة، وهو كفيل بتحقيق الأمن والاستقرار وعدم الانزلاق إلى مطب الدكتاتورية ثانية، وقد سبقنا الغرب في اعتماده منذ أكثر من قرنين، وها هو الآن يجني ثماره في ظل ديمقراطياته الشامخة.
لاريب إن توغُّل تركيا اليوم في الجغرافيا السورية، وزجّ المرتزقة فيها، بغية استباحتها، سيعيدنا إلى المربع الأول، كون هذه السياسة الرعناء ليست سوى اجتراراً لسياسة البعث السيئة الصيت؛ من هنا، فلا يجوز قبول تركيا بسياستها غير النزيهة هذه حكماً في مآلات ترسيم مستقبل سوريا، بعد أن ثبت للقاصي والداني أجنداتها وأطماعها في سوريا أولاً، وسبق لها أن مارست سياسة التتريك قسراً منذ قرن بحق العديد من مكوّناتها، وفي مقدمتها شعبنا الكردي ثانياً، ومازالت تحتل عفرين وأعزاز والباب وجرابلس ورأس العين في الشمال السوري ثالثاً.
إن ممارسات نظام البعث البائد في مجال انتهاك حقوق السوريين كافة، شنيع ومدان بكل المقاييس، لكن ما تمارسه تركيا لا تقلُّ فظاعة إن لم تكن أشدّ، جرّاء سياسة الأرض المحروقة والإبادة والقهر والتنكيل والتهجير، بعد أن تسنّت لها إقامة جمهوريتها على جماجم ضحاياها من الكرد والأرمن والسريان، أعني تلك السياسة التي كانت سبباً لرفض الغرب قبولها في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي، رغم استماتتها على هذا الصعيد.