القرار 2254 بين الواقع والطموح

القرار 2254 بين الواقع والطموح

مرفان باديني

سينطبع يوم 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 محفوراً في ذاكرة السوريين كيوم فارق في تاريخ بلدهم، فقد شهد هذا اليوم نهاية نظام بشار الأسد الذي حكم سوريا لعقود طويلة امتدت إلى 53 عاماً، مليئة بالظلم والقمع وانتهاكات حقوق الإنسان. جاء سقوط النظام في هذا اليوم ليعيد صياغة المشهد السوري، حيث تم إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفتحت السجون، وتنفست سوريا هواء الحرية لأول مرة منذ سنوات طويلة من الحكم الدكتاتوري.
مثّل انهيار نظام الأسد نقطة تحوّلٍ في مسار الصراع السوري. فبينما فتحت أبواب السجون، عاد الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبرزت آمال جديدة في بناء دولة مدنية قائمة على العدل والمساواة. لكن هذه التحولات جاءت محمّلة بتحدياتٍ سياسية ودبلوماسية معقّدة، حيث دخلت سوريا مرحلة انتقالية ما زالت غامضة المعالم.
أبرز اللاعبين على الساحة السورية في هذه المرحلة الانتقالية كان قائد العمليات العسكرية أحمد الشرع، الذي ورغم إدراجه على قائمة الإرهاب الأمريكية، أصبح شخصية محورية في المشهد الجديد. الشرع الذي يرى نفسه جزءاً من الحل السياسي، يطالب بتطبيق القرار الأممي 2254 باعتباره خارطة طريق لإنهاء الأزمة، لكنه يستخدم القرار كورقة ضغط في مواجهة المجتمع الدولي، وخاصة الأوروبيين، لإزالة اسمه من قوائم الإرهاب كشرطٍ لتنفيذ ما تبقى من بنوده.
في تصريحاته الأخيرة، اعتبر الشرع أن القرار 2254 قد أصبح جزءاً من الماضي، زاعماً أنه نفذ جوهره، مستشهداً بثلاثة تطورات أساسية:
1. إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين.
2. تسليمه للسلطة وبدء عملية انتقال سياسي.
3. عودة اللاجئين طوعاً إلى سوريا.
لكن بالرغم من هذه المزاعم، يرى مراقبون أن هناك بنوداً أساسية في القرار ما زالت عالقة، أبرزها صياغة دستور جديد لسوريا وضمان مشاركة جميع المكونات السياسية والقومية في بناء الدولة.
يرى كثير من المحللين أن سوريا بعد الأسد تواجه تحديات جوهرية تتعلق بطبيعة النظام السياسي المقبل، ودور القوى الإقليمية والدولية في تحديد ملامح المرحلة الجديدة. فمسألة بناء مؤسسات الدولة وضمان حقوق الأقليات والمكونات القومية الأخرى ما زالت غامضة، خاصة في ظل استمرار الصراعات على السلطة والسيطرة.
كما أن موقف المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة، سيبقى محورياً في تحديد مصير سوريا. فالقرار 2254، رغم اعتباره من قبل البعض إطاراً غير كافٍ، يظلُّ مرجعيةً قانونيةً دولية لا يمكن تجاوزها بسهولة.
في ظل هذه التحديات، يبدو أن السوريين أمام فرصة تاريخية لتغيير واقعهم بأنفسهم. لكن هذا التغيير يتطلب توافقاً داخلياً مدعوماً بإرادة سياسية دولية حقيقية، بعيداً عن المناورات والضغوط المتبادلة. فسوريا الجديدة، التي وُلدت من رحم المعاناة، تحتاج إلى دستور جديد يضمن العدالة والمساواة لجميع أبنائها دون استثناء.