الحوار السلمي.. والفرصة التاريخية للكورد في غربي كوردستان
محمد أمين أوسي
التحديات والحلول
لطالما كانت القضية الكوردية في غربي كوردستان جزءاً مهماً من المشهد السياسي والاجتماعي، لكنها غالباً ما وُضعت على هامش السياسات الوطنية. مع احتمالية سقوط النظام السوري بقيادة بشار الأسد، قد تكون هناك فرصة حقيقية للكورد في غربي كوردستان للحصول على حقوقهم القومية عبر الحوار السلمي مع الإدارة الجديدة التي قد تتولى السلطة. ولكن، لتحقيق ذلك، يتطلب الأمر رؤية واضحة واستراتيجيات متوازنة تأخذ بعين الاعتبار التحديات والفرص على حد سواء، بما يضمن التعايش السلمي داخل إطار الدولة السورية الموحدة.
الفرصة التاريخية للكورد في غربي كوردستان
بعد أكثر من عقد من الصراع السوري، تلوح في الأفق مرحلة سياسية جديدة قد تكون محورية للكورد. سقوط النظام الحالي يمكن أن يفتح الباب أمام إعادة تشكيل النظام السياسي السوري على أسس ديمقراطية جديدة. هنا، تأتي أهمية الحوار كوسيلة لتحقيق المطالب القومية الكردية بطريقة سلمية تضمن الاعتراف بهم كمكون أصيل من مكونات المجتمع السوري. هذه اللحظة قد تكون فرصة تاريخية لأن:
1. الإدارة الجديدة قد تكون أكثر انفتاحاً: الإدارة التي ستنشأ بعد الأسد ستحتاج إلى إعادة بناء الشرعية عبر تقديم رؤية ديمقراطية شاملة. هذا قد يمنح الكرد فرصة للتفاوض حول حقوقهم القومية ضمن إطار وطني جامع.
2. الضغط الدولي والإقليمي: القوى الدولية التي دعمت الكورد خلال الحرب، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، قد تستمر في الضغط على الإدارة الجديدة لضمان الاعتراف بحقوق الكورد كجزء من عملية السلام وإعادة الإعمار.
3. تجربة الإدارة الذاتية: الكورد تمكنوا من إدارة مناطقهم عبر تجربة الإدارة الذاتية، مما يعزز موقفهم التفاوضي ويثبت قدرتهم على تقديم نموذج ناجح للإدارة المحلية.
الحوار السلمي كخيار استراتيجي
منذ بداية الأزمة السورية، اختار الكورد إلى حد كبير تجنب الانجرار إلى الصراعات الطائفية والعرقية، وركزوا على حماية مناطقهم وتطوير إدارتهم الذاتية. في مرحلة ما بعد الأسد، يمكن للكورد استثمار هذا الموقف عبر الحوار السلمي بدلاً من الصدام العسكري أو التصعيد السياسي، لأن:
1. الحوار يعزز الثقة: التفاوض المباشر مع الإدارة الجديدة والمكونات السورية الأخرى سيساعد في بناء جسور الثقة وتخفيف المخاوف من النوايا الانفصالية.
2. الحوار يفتح المجال للتسويات: عبر الحوار، يمكن للكورد المطالبة بدستور جديد يضمن لهم حقوقهم القومية والثقافية دون تهديد وحدة البلاد.
3. الحوار وسيلة لتجنب التدخلات الخارجية: اتباع نهج سلمي سيخفف من حدة التدخلات الإقليمية، خاصة من تركيا، التي تعارض أي مشروع كوردي في سوريا.
التحديات التي تواجه الحوار السلمي
رغم أهمية الحوار، إلا أن هناك تحديات كبيرة قد تواجه الكورد في سعيهم لتحقيق مطالبهم القومية، ومن أبرزها:
1. رفض القوى الوطنية للمطالب الكوردية: لا تزال بعض أطراف المعارضة السورية ترى في المطالب الكوردية تهديداً لوحدة البلاد، خاصة إذا كانت تتعلق بالاعتراف بالحقوق القومية أو بالحكم الذاتي.
2. التدخلات الإقليمية: تركيا، على وجه الخصوص، تعتبر أي تقدم للكورد في غربي كوردستان تهديداً لأمنها القومي، وهو ما قد يدفعها للتأثير على الإدارة السورية الجديدة لاتخاذ مواقف متشددة.
3. التشتت الداخلي للكورد: يعاني الكورد من انقسامات سياسية داخلية بين الأحزاب والتوجهات المختلفة، مما يضعف موقفهم التفاوضي أمام الإدارة الجديدة.
4. التحديات الاقتصادية: المناطق الكوردية، كغيرها من مناطق سوريا، تعاني من ضعف في البنية التحتية والتنمية الاقتصادية، مما يجعل تحقيق التنمية مطلباً ملحاً قد يسبق المطالب السياسية.
5. غياب الدعم الشعبي الكامل: هناك مكونات سورية أخرى قد لا تدعم المطالب الكوردية بالكامل، مما يجعل تحقيق توافق وطني حول القضية أمراً صعباً.
الحلول لتعزيز فرص النجاح
لتجاوز هذه التحديات وضمان استغلال الفرصة التاريخية، يمكن للكورد تبني مجموعة من الحلول التي تعزز موقفهم التفاوضي وتدعم الحوار السلمي:
1. توحيد الصف الكوردي: يجب على الأحزاب الكوردية تجاوز خلافاتها والعمل كجبهة موحدة تمتلك رؤية مشتركة وواضحة للمطالب القومية.
2. العمل ضمن إطار وطني: التأكيد على أن المطالب الكوردية تهدف لتعزيز الديمقراطية والاستقرار في سوريا، وليست محاولة للانفصال.
3. بناء تحالفات مع المكونات السورية: تعزيز العلاقات مع العرب، السريان، والآشوريين عبر مشاريع مشتركة ومبادرات تصب في مصلحة جميع السوريين.
4. الضغط الدولي: الاستفادة من دعم القوى الدولية، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لضمان إدراج القضية الكوردية في أي تسوية سياسية مستقبلية.
5. صياغة دستور جديد: المطالبة بدستور جديد يعترف بالتعددية القومية والثقافية ويضمن حقوق الكورد كشعب أصيل في سوريا.
6. الحوار مع الأطراف الإقليمية: فتح قنوات اتصال مع تركيا والعراق لتبديد مخاوفهم وضمان أن الحقوق الكوردية في سوريا لا تشكل تهديداً لأمنهم القومي.
رؤية مستقبلية: كورد غربي كوردستان في دولة ديمقراطية موحدة
إن نجاح الكورد في تحقيق حقوقهم عبر الحوار السلمي يتطلب إرادة سياسية ورؤية استراتيجية تستند إلى احترام التعددية والعمل المشترك لبناء سوريا جديدة. الدولة السورية الموحدة التي تعترف بحقوق جميع مكوناتها ستضمن الاستقرار للجميع. هذا النهج لا يفيد الكورد فقط، بل يساعد في تجنب صراعات مستقبلية تهدد البلاد.
الكورد في غربي كوردستان لديهم فرصة تاريخية ليس فقط لتحقيق حقوقهم القومية، بل أيضاً للمساهمة في بناء نظام سياسي جديد يقوم على الديمقراطية والتعددية. إن تعزيز العلاقات مع القوى الوطنية والعمل المشترك مع الإدارة الجديدة سيجعل من الممكن تحقيق هذه الرؤية دون تصعيد أو نزاعات.
خاتمة
الفرصة التي قد تتيحها مرحلة ما بعد الأسد للكورد في غربي كوردستان لا تقتصر على الحصول على حقوقهم القومية فقط، بل تمثل أيضاً فرصة لبناء جسور الثقة والمشاركة في تأسيس نظام سياسي جديد يلبي تطلعات جميع السوريين. الحوار السلمي، رغم التحديات الكبيرة، يظل الخيار الأمثل لتحقيق هذه الأهداف. الكورد في غربي كوردستان، من خلال الوحدة والرؤية الواضحة، يمكنهم أن يكونوا قوة دافعة نحو بناء سوريا ديمقراطية ومستقرة، تضمن حقوق الجميع في إطار دولة موحدة وعادلة