الثورة السورية وخطر إعادة إنتاج الاستبداد
هنر بهزاد جنيدي
على المستوى الجماهيري العام وعلى مستوى وعي عناصر الفصائل العسكرية في سوريا بعد سقوط النظام الأسدي، يبدو المشهد العام محبطاً للغاية. فبعد أكثر من نصف قرن من الاستبداد، الظلم، وقمع الحريات، كان السوريون يتطلعون إلى بناء دولة جديدة تقوم على أسس الحرية والعدالة والتعددية. غير أن ما نشهده اليوم هو استبدال شعارات وصور الأسد برموز أخرى لا تقل قمعاً وتخلفاً، مثل أعلام داعش، وصور الديكتاتور العراقي صدام حسين، وهتافات تمجّد الدولة الأموية التي ارتبطت بتاريخ طويل من التوريث والفِتن.
هذه السطحية في الوعي لا تتوقف عند تمجيد رموز القمع والاستبداد، بل تتعداه إلى مشاهد مروّعة تنتهك القيم الإنسانية، مثل إجبار فصائل الجيش الحر الأسرى على النباح، وإذلالهم، وحرق أشجار الميلاد في استعراض فجّ للانغلاق والتعصب. وبينما يصفُ البعضُ هذه الممارسات بأنها حالات فردية، فإنها تعكس منظومة ثقافية متجذّرة في الجهل وضيق الأفق، وتُظهر فشلاً جماعياً في الارتقاء بالمبادئ التي قامت عليها الثورة، كالحرية والكرامة.
كان من المفترض أن تكون الثورة السورية نقطة تحول تُؤسس لثقافة تنويرية تستمد جذورها من التراث الإنساني العربي والعالمي، ولكن ما يجري يشير إلى انحراف خطير. فبدلاً من العمل على إحياء رموز الفكر التنويري والإنساني، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ يعيدُ إنتاجَ الديكتاتورية، لكن بوجوه وأقنعة مختلفة.
إذا كانت هذه التصرّفات فرديةً حقاً، فلماذا لم نرَ فرداً واحداً على سبيل المثال يرفع صورة لعبد الرحمن الكواكبي، الذي فضح طبيعة الاستبداد في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»؟ أو صورة لابن رشد، الفيلسوف الذي أسهمت أفكاره في بناء عصر النهضة الأوروبية عندما ترجم الأوروبيون مؤلفاته واستلهموا منها قيم الحرية والعقلانية؟
على الجانب الغربي، لا أحد يقترب من أفكار مارتن لوثر الذي قاد حركة الإصلاح الديني، والتي أنهت سيطرة الكنيسة المطلقة، وأرست قواعد التفكير الحر. جان جاك روسو بمفهومه عن العقد الاجتماعي، ومونتيسكيو بنظريته عن فصل السلطات، أننا لا نرى أثراً لهذه الأسماء في خطاب هؤلاء الذين يدّعون أنهم يمثلون الثورة.
هذا الغياب الفاضح للفكر الإنساني والتنويري يعكسُ أزمةً عميقةً في الوعي الجماهيري والقيادي للفصائل الموجودة على الساحة السورية. إن استبدال استبداد الأسد باستبداد جديد بقناع ديني أو سياسي يهدد بتحويل الثورة إلى مجرد دورة جديدة من القمع والانغلاق، مما يجعل المستقبل يبدو معتماً ومفتقراً للآفاق.
لإنقاذ سوريا من هذه الدوّامة، يجب تأسيس وعي جديد قائم على الفكر التنويري واحترام التعددية. على النظام التعليمي والإعلامي أن يلعبا دوراً محورياً في إدخال مبادئ حقوق الإنسان والحرية الفردية إلى الخطاب الثقافي العام. يجب أن تحتفي الساحة السورية برموز الفكر الإنساني والنهضة العلمية بدلاً من رموز القمع والاستبداد.
يتطلب بناء مستقبل سوريا قيادة تؤمن بأن الحرية والكرامة والتنوع الفكري هي القيم الأساسية التي تصون المجتمع، وتعيدُ إليه توازنه وإنسانيته.
وحدها هذه القيم يمكن أن تنيرَ الطريقَ نحو مجتمع يتّسع للجميع، حيث تزدهر العدالة والتعددية، ويختفي شبح الاستبداد إلى الأبد.