الإعلام البيئي ما بين الجدلية والدور المحوري

الإعلام البيئي ما بين الجدلية والدور المحوري

زينة عبدي

بات التغيُّر المناخي والذي صار يلقي بظلاله على حياتنا نذير شؤم في ظل حالة عدم الاستقرار المناخي في المنطقة بشكل عام خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يضعنا في مواجهة الصعوبات والتحديات التي لا بد لسلطات الأمر الواقع والصحافة ومنظمات المجتمع المدني المهتمة بالبيئة وكذلك المؤسسات المعنية بالقضايا البيئية إيلاءها الأهمية لتعزيز الوعي والثقافة البيئية والتأثيرات المتنوعة للتغيرات المناخية وهنا السؤال الذي يطرح نفسه، هل من صحافة ملموسة وموجهة نحو البيئة لإكساب الجماهير معرفة أوسع بالمحيط البيئي( واقعه، التحديات التي تواجهه وسبل مواجهتها نحو واقع بيئي صحي وسليم)؟.
أسباب تردي الواقع البيئي
الواقع البيئي سيّئ في غرب كوردستان حسب المعطيات المتوفرة المتمثلة بغياب المساحات الخضراء وانعدامها أحياناً، ازدياد معدلات التلوث البيئي، ودخول عدد هائل من السيارات إلى المنطقة، بالإضافة إلى المولدات الكهربائية العامة والخاصة داخل المنازل والمحلات التجارية وخاصة تلك المركونة في الأسواق المركزية، كما أن الممارسات التركية المستمرة في قطعها للمياه والتي أثرت سلباً على مدينة الحسكة خلال الأعوام الستة الأخيرة، وكذلك قطعها للأشجار في منطقة عفرين المحتلة خلّفت حالة قصوى من الجفاف والتصحر التي باتت تشكل تهديداً خطيراً على الأمن البيئي في ظل غياب شبه تام للصحافة والإعلام للقيام بدورها الرقابي كونها تعد السلطة الرابعة قانونياً ويحق لها التوعية والتحقيقي والاستقصاء ووضع الحلول المناسبة لكل مشكلة.
هل من إعلام بيئي (تقليدي) في المنطقة؟
وفي هذا السياق يتوجب على الصحافة المرئية والمسموعة والمكتوبة في المنطقة تفعيل دورها البيئي- التي لم تشق طريقها بعد - على اعتبار أنها ظاهرة شوهدت حديثاً بذات المجال ويرجع ذلك لعدم إيلائها الأهمية اللازمة رغم ضرورتها الملحة والمرتبطة بالجوانب الاقتصادية والسياسية والبيولوجية والتنمية، إضافةً إلى غياب بعض المسائل العلمية والتقنية والفنية المتعلقة بالإحصائيات البيئية لدى الصحفيين وإلمامهم المتواضع بالقضايا البيئية، الأمر الذي يقوض إنتاج مواد متعلقة بالبيئة وتقديم حلول موائمة لحالة التغير المناخي وخاصة في ظل حالات الإجهاد المائي والجفاف.
يعدُّ اهتمام الإعلام بالقضايا البيئية وتعزيز الوعي بها مسألة نسبية ودوره ضئيل إلى اللحظة إن كان عبر برامج تلفزيونية وإذاعية لطرح مواضيع متعلقة بالاستحقاق البيئي والوعي الجماهيري به، وكيفية اتخاذ الإجراءات التي تقي البيئة من الانهيار والاندثار وضمان استمرار الحفاظ عليها، وتحقيق التنمية المستدامة لمستقبل بيئي آمن ليعمّر طويلاً.
على اعتبار أن مسألة التغيرات المناخية والوعي البيئي مسألة هيكلية ف يستوجب معالجة تعثر مسار فاعليتها عبر قيام وسائل الإعلام بالترويج للمبادئ، القيم والأسس الأخلاقية والبيئية والمصطلحية التي من شأنها تنمية الشعور والحس البيئي ضمن الرسائل الإعلامية الموجهة بأبسط الصور وأكثرها إيضاحاً والصحف اليومية مثالاً، بالإضافة إلى قيام المؤسسات الإعلامية بالتشبيك مع منظمات دولية ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات المحلية المهتمة بالقضايا البيئية بجلسات حوارية توعوية والتي من خلالها يتم شرح الواقع البيئي والتحديات التي تواجهه بالإضافة إلى التعريف بواجبات ومسؤوليات المواطنين وكذلك السلطات بشأن البيئة ليكونوا قادرين على التعامل الفعال معها وحمايتها من أية مخاطر، والغياب شبه التام للبرامج التلفزيونية والإذاعية لإلقاء الضوء على السلوكيات الضارة والتصرفات البيئية الخاطئة والتخلي عنها، وكذلك الافتقار إلى العمل بجدية على تشكيل برامج ومشاريع صديقة للبيئة بالتعاون والشراكة مع الأفراد والجهات المعنية وفي مقدمتهم فئة الشباب.
دور الإعلام الالكتروني في تعزيز الوعي البيئي
باتت الثورة التكنولوجية الشاسعة فضاءً بذات الأهمية لتشكيل الوعي البيئي مقارنةً بوسائل الإعلام التقليدية الأخرى، بل ونشر القضايا البيئية على مدىً أوسع باستخدام التقنيات الحديثة وكذلك الوسائط المتعددة، التطبيقات، مواقع الويب والمواقع الإعلامية (الاجتماعية) نظراً لسرعتها الهائلة في إيصال المعلومات والأخبار، مشكلةً بذلك أداة لإرسال رسائل توعوية بيئية ذات إقناع وفاعلية ترسخ وتعزز التربية البيئية عن طريق حملات مكثفة لمكافحة السلوكيات البيئية السلبية المضرة بالبيئة والإنسان، فالإعلام الإلكتروني ذو دور إيجابي حيث التشجيع على تطبيق الممارسات البيئية التي تحقق توازناً ما بين البيئة والبشرية، وحث المستخدمين على تتتبع تطوير التقنيات الحديثة واستخدامها بالشكل الأمثل لتوعية المحيط بمخاطر التلوث الناجم عن النفايات الالكترونية ذات التزايد المستمر نتيجة تلك التقنيات، كما أنه يعرض التجارب الناجعة ذات الصلة بالخصوصية البيئية بهدف نشر التثقيف والوعي البيئي.
الإعلام البيئي الالكتروني أو ما يسمى بـ (الإعلام الأخضر) يبرز دوره كشريك تنموي ومستدام حالما يتبناه المستخدمون في لفت انتباه الجماهير للقضايا البيئية، وفي مقدمته منصة الفيس بوك واليوتيوب وX وبعض قنوات التيليغرام ذات الصلة، إلا أنه ورغم بروز شبكات التواصل الاجتماعي هذه والتي تدعو إلى إشراك الجميع في القضايا البيئية هناك افتقار واضح بالوعي البيئي وأحياناً الغياب التام له في بعض المناطق، لاسيما وأن أمننا البيئي مهدد بفعل العوامل التي تم ذكرها آنفاً وتستدعي وضع حلولاً عاجلة وطارئة له.
تعدُّ تجربة الإعلام البيئي والذي يمكن تسميته بأداة التوعية والتغيير للتقليل من المخاطر المناخية المتقلبة تجربة متواضعة جداً، وذلك لغياب المحتوى الإعلامي البيئي الهادف بشكل حقيقي، حيث يتم تناول القضايا البيئية على شكل نشرات أو تقارير إخبارية سريعة في ظل التراجع الكبير الذي تعانيه المنطقة على المستوى البيئي، وغياب التحقيقيات الاستقصائية ذات التأثير الكبير عبر معالجتها للقضايا البيئية والتي تشكل ضغطاً كبيراً على الفئات ذات الاهتمام بالتوعية البيئية والتي حتماً ستكون الاستجابة لها أسرع، علاوةً على ذلك ضعف المهارات الصحفية في تغطية القضايا البيئية، وغياب الاهتمام بتنمية هذه المهارات وتعزيزها من قبل المؤسسات الإعلامية بالدرجة الأولى والتي من شأنها تطوير وتنمية قدرات الصحفيين والصحفيات لاسيما في ظل التغيرات المناخية التي تعيشها المنطقة.
وأخيراً لابد للإعلام المضطلع في اهتمامه بالقضايا البيئية ومحاولة إلقائه أفكار قادرة على مجابهة المخاطر الناجمة عن التغيرات المناخية من اتباع عدة أساليب للتوعية والتثقيف البيئي عبر طرح محتوى إعلامي له طابع بيئي عبر وسائل الإعلام التقليدية وكذلك الرقمية، والانحياز لاعتماد قوالب بسيطة مهتمة بالقضايا البيئية بحيث تأخذ حيزاً كافياً من اهتمامات الجماهير، وإيلاء قسطاً من الأولوية للانتهاكات الجسيمة تجاه البيئة، وإنتاج مواد إعلامية متخصصة في القضايا البيئية عبر البودكاست والصحافة الالكترونية والمطبوعة والمرئية والمسموعة، وأيضا القيام بإجراء استطلاعات الرأي التي تحدد اهتمامات الجماهير وتوجهاته البيئية ومدى وعيهم بها وكيفية حمايتها.