لا حياد في الصحافة
زينه عبدي
مهما بلغنا من العلم إلا أنه وفي كثير من الأحايين تبقى إجاباتنا ناقصة على حد ما تعلمناه وإلى اللحظة، والواقع الذي تبحث عنه الكلمات لتصفه بالأسوأ أو الأفضل هل من الممكن أن يجرد الصحافة من حياديتها من خلال إرسالها خطاب التواطؤ المؤطر باستراتيجيات مترامية الغايات بشأن القضايا العامة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، منتهكةً القوانين عبر انحيازها لطرف دون الآخر؟ وهذا ما يمكن تسميته بشرعنة الإجرام بحقّ الصحافة والإعلام اللتين من المفترض أن تثبتا العكس ببثّ رسائلهم بشكل مهني مجرد من البروباغندا.
أعتقد أن الحياد في الصحافة لا يمكن أن يعلو على القيم الإنسانية والتي من غير المنطقي أن يتجرد منها الصحفي كونه مثل غيره في الإنسانية، وما يملكه من عاطفة ومشاعر وأحاسيس وهذا ما يفرض عليه أن تبقى رؤيته للحدث انحيازية نوعاً ما في المواقف التي تتطلب ذلك، وفي المقابل فإن اجتزاء الحقيقة والواقع بما يتناسب مع تحيُّزاتٍ لطرف معين مصحوبة بمبررات تنسجم مع رؤاه ومصالحه على حساب تهميش الطرف الآخر يُعتبر انحرافاً عن المسار الصحفي المهني والأخلاقي.
لذلك وبغض النظر عن ما يتم تغطيته فإنه من الأجدر والأولى بالصحفي الالتزام بالصحافة الملتزمة قدر المستطاع إلا حيال بعض القضايا التي يتأثر بها كإنسان والتي تفرض عليه الانحياز والانحراف عن حياديته، ففي بعض المواقف مثلاً (تهجير المواطنين قسراً، الزلازل التي قتلت الكثير، الفقر المدقع، الأيتام دون معيل...وغيرها الكثير) من غير الممكن للصحفي تجنب تعاطفه معهم وكبحها أساساً، بل في هذه الحالة يستوجب علينا تبرئته من حياديته كونه بات في موقف إنساني يحكمه الضمير والإنسانية والعاطفة بعيداً عن الظروف والمعايير المهنية، حيث لم نعد نستهجن نفي الحياد أو رفضه حيال حالات التعاطف للصحافة نحو فئات معينة بل والدفاع عنهم لأن عدم حياديتهم هذه والتي من الممكن تسميتها "الانحراف" أحياناً بات طرحاً إنسانياً شاملاً بالإجماع.
الصحافة مثلها مثل أي حقل بإمكانه التبلور في العلوم الجمعية والمجتمعية كافة، وهي جزء لا يتجزأ من هويتنا الثقافية، لكن التحيُّز نحو يوتوبيا تلامس الصحافة في حياديتها، فأعتقد أن الأمر يسير نحو بذخ الجهل والتردي لأننا بني البشر بمنأىً عن الطوباوية التي كان يدعو إليها أفلاطون، لذلك على الصحفي أن يبتعد عن بتر كل ما هو منافٍ للحقيقة وينقل الحدث بموضوعية تامة بمختلف سياقاته الاجتماعية والسياسية والثقافية والمدنية والدينية.
من جانب آخر وهو أن ينسلخ الصحفي من حياديته إرضاءً لأحد الأطراف ذات المصالح المتماشية ويغض الطرف عن الإطارات والسياقات الحقيقية للحدث، فهذا ما لا يمكن تجاوزه البتة ويُعتَبَر ابتزازاً مهنياً، كما أنه يعد بمثابة جرس إنذار للممارسات الصحفية اللامهنية والتي تضع الصحافة في زاويةٍ حرجةٍ مهنياً بشكل يتماهى مع أشكال الخطابات المنزوية تحت مظلة الدفاع اللحظي الجِدي عن الحدث، وهنا السؤال الذي بات يطرح نفسه أين هي المبادئ والمعايير الأخلاقية قبل المهنية في صحافتنا؟
مهما حاولنا الخوض في منطق النقاش حول حياد الصحفي وحيادية المعلومات، إلا أن الفضاء السوسيولوجي لهما يبقى مبهماً، ولا تحقق الأثر الذي نريد، الأمر الذي يجعلنا نسرد الأحداث دون معرفة توجه انحياز الصحفي لأي طرف أثناء التغطية الخبرية إلا في حالات التحقيقات الاستقصائية المقاربة للزاوية الانسانية يكون عندها الصحفي منحازاً للطرف المطالب باستحقاقاته وبالتالي قيامه بواجبه الكلاسيكي المتعارف عليه وهو مراقبة الإدارات الحاكمة على اعتبار أن الصحافة هي السلطة الرابعة ومن مهامها المفروض عليها مراقبة ومحاسبة السلطات في حال قيامها بالانتهاكات بحق الشعب.
نجد أنفسنا في الكثير من القضايا نستحضر بل ونفصح عن انحيازنا التام لطرف ما أو قضية ما حسب قناعاتنا المؤيدة للطرف الأضعف في الحدث، وخاصةً إن كنا أشهاداً فيه على مبدأ أن الصحفي المنحاز أو غير المحايد يقدم معلومات توازي وتضاهي مقدار المصلحة العامة، بيد أن الحيادية ترسم حدوداً متساوية تفرض إمكانية تقديم المعلومات الدقيقة ذات المصداقية والشفافية والنزاهة والموضوعية والدقة والابتعاد عن الإثارة وعدم تزييف الحقائق والوقائع التي لا بد من تواجدها ضمن التغطية الخبرية.
الحيادية بالمنظور الصحفي هي فصل الآراء الشخصية فصلاً تاماً أثناء نقل الخبر وبأسلوب متوازن بمنأىً عن التحيُّز، والسعي لإبراز رأي جميع الأطراف المعبرة وتعددية أفكارهم عن مواقفهم بغض النظر عن محتوى الموقف، وبالتالي تقديم صورة واضحة ومتكاملة عن الحدث مصحوبة بفهم أسبابه مع الالتزام بعدم الانجرار وراء الإيديولوجيات أو المراهنة عليها، وهنا لا بد من طرح السؤال الذي يجعل الصحفي في حيرةٍ من أمره أثناء أداء واجبه الصحفي: هل يتوجب على الصحفيين أن يكونوا موضوعيين أم صادقين؟
من زاوية أخرى أعتقد أنه وعلى اعتبار أن الصحافة قائمة ومستندة على ركيزتين أساسيتين هما الخبر والرأي، فإننا نشاهد أن الأدوات والعناصر اللازمة لنقل وتغطية أي حدث إعلامياً وضمن المعايير المهنية تُبقي الصحفي بعيداً عن الإدلاء برأيه بل وينتفيه، وهذا ما يؤكد إقرار التوازن التام في محتوى المواد الإعلامية مع الإبقاء على إقصاء الحيادية نوعاً ما، ولكن لا ننسى أن معظم الوسائل الإعلامية تتبع عضوياً للسلطات أو جهات أو جماعات أو مراكز دولية أو أشخاص أو لوبيات ذات توجهات تجارية أو اجتماعية أو ثقافية أو نسوية أو سياسية، الأمر الذي يجرد الصحفي من حياديته حيث بات من الطبيعي جداً وحسب سياساتها أن تبيع معرفتها ومعلوماتها وخبرها الصحفي أينما وجدت مصلحتها وبالشكل الذي تريد، لذلك أعتبرها حالة صحية عدم وجود الحياد أو غيابه بشكل تام.
لذلك بات واضحاً ومن غير المستغرب أن نسبة هائلة من الصحفيين والمؤسسات الإعلامية لديها ما يكفي من الأجندات تنحاز بوضوح وبإطار ممنهج ضد جهة ما أو نحوها حيث الرسالة الظاهرية تكون مناقضة تماماً لباطنها، وهذا ما يشكك لدى الكثير منا في عدم أهليتهم للأمانة الصحفية وخاصة عند تغييبهم لكشف المعلومات الحقيقية بحيادية تامة أثناء معالجة بعض القضايا رغم زعم الكثير منهم اتباع المسار المهني واحترامهم له وتبيان الصورة الكاملة عن الحدث للجمهور المستهدف.
وأخيراً على الصحفي أن يعي تماماً أن يصرف النظر عن الحياد كمبدأ ثابت لا يتغيّر ولا يمكن زحزحته وإنما يوجد من المسببات والظروف المحيطة وأحياناً السياقات المختلفة ونوعية الحدث ونمطه ومساره مجتمعةً بإمكانها أن تغيره أو تحتِّم عليه التغيير بالمطلق بل وتحكمه، كما أن التوجهات المختلفة والحوارات ذات الأطر المتباينة وفي بعض الأحيان يمكننا تسميتها بالمتناقضة والتي تعزز وترسخ مبدأ التعددية والوضوح في التغطية الخبرية ما أمكن، من مهامها مداراة نقل الحقيقة بنسبة حيادية مهنية بعيداً عن تشويه الحقائق أو تزييفها.