الخبز السياسي
د. زهراء التميمي
في المجتمعات العربية الخبز السياسي هو الوجبة اليومية المفضلة للناس، وهي تعد بمثابة مائهم وهوائهم، وبدونها لا يمكنهم أن يكملوا حياتهم، وقد اعتاد الشرقيون على ان تبدأ حواراتهم السياسية في الصباح الباكر أو حتى في أوقات متأخرة من الليل مع العائلة والأصدقاء، بل الأكثر من الغرابة أن هذه النقاشات قد تحدث في الأماكن العامة أو أماكن الترفيه، أو قد تحدث مع أشخاص نلتقي بهم لأول مرة .. وما هو أكثر من ذلك فإن المناقشات السياسية الأكثر تعقيدًا وإحراجًا تجري مع العابرين في الباصات أو مع سائقي سيارات الأجرة وغالبًا ما تصل إلى وجهتك قبل انتهاء المحادثة لذا فإن السياسة هي نشاط بشري معتاد عليه في دول الشرق الاوسط وهي الخبز السياسي والفاكهة العالمية.
على الرغم من ذلك، فإن القليل من العرب يجدون أن لديهم الرغبة في الانخراط في السياسة على عكس الانشغال بها يمتد هذا الوضع إلى الدول والحكومات العربية أيضًا، وعلى الرغم من أن السياسة هي الوظيفة الأولى والرئيسية لهؤلاء الأشخاص إلا أن العمل السياسي بمفهومها العالمي الشامل بالنسبة للعرب ليست هي نفسها بالنسبة للدول المتقدمة،ة أو كما كانت وفقا للمفاهيم والدراسات العلمية، وغالبًا ما يكون هذا بسبب العملية التاريخية التي مرت بها هذه الدول.
وكأبسط تعريف للسياسة، يقال عنها: فن الممكن؟ لكنها لم تكن كذلك بالنسبة للعرب. بل كانت دائمًا فن السير في حقل منجم بين أهداف مثل مواجهة طموحات خارجية، وبناء تحالفات، وفي نفس الوقت انشغالهم المزمن بفكرة المؤامرة على الإسلام والعرب مع ضرورة خلق فئات محبة ومؤيدة من الناس للحفاظ التام على مقاعد السلطة وتوطيد العلاقات الخارجية من خلال تبني وتنفيذ الأفكار الأجنبية سواء كانت في الشأن السياسي أو الاقتصادي لاكتساب المزيد من النفوذ الإقليمي لأن بلادنا لم تتشكل بعد بشكل كامل أو كافٍ لتحقيق هذه التطلعات على مختلف المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، وإن كان ذلك في كثير من الأحيان على حساب أفراد الشعوب من الطبقات الفقيرة.
إذن: فالدول العربية منشغلة طوال الوقت بالسياسة، لكن ما تشتغله ليس هو السياسة الحقيقية، فالسياسة فلسفياً في مفهوما الضمني العام هي التنمية والتطوير وفن الدبلوماسية وعلى الرغم من العمر الواضح لهذه المشكلة، إلا أنني لا أرى جهدًا فكريًا قويًا للخروج منها بالرغم من إشارة العديد من المحللين والكتاب إلى مفهوم "الانهيار السياسي العربي" أو "الانسحاب السياسي العربي" او مايسمى بالاغتراب السياسي، إلا أن غالبيتهم، مروا بهذا الوضع وكأنه واقع حتمي ولا مفر منه، فقاموا بتحليل الأسباب دون التفكير في الحلول أو التخطيط، وكأن العرب ملزمون بالطاعة لأجندة سياسية غير صالحة للاستهلاك البشري فلا يوجد تغيير أو تطور، لكن إعادة تدوير وتصدير لنفس الأزمات اتسمت هذه المقاربات للواقع السياسي العربي باعتمادها - بشكل عام - على مبدأ معارضة الثنائيات في تفسير الوضع السياسي العربي
هذه الثنائيات بسيطة لدرجة أنها تحاول اختزال النظام السياسي في المنطقة إلى صراع مثل: الدكتاتورية ضد الديمقراطية التيارات الدينية مقابل الحركات العلمانية.
العروبة مقابل حدود الدولة، الاشتراكية مقابل الرأسمالية، روسيا مقابل أمريكا، الهيمنة مقابل الشعب، العسكرة مقابل الحياة المدنية، النخبة مقابل العقل الجمعي، إلخ من انقسامات مماثلة، والتي توجد بالطبع في بلداننا، ولكن لا تكفي أي منها لشرح طبيعة الثقافة السياسية لمنطقتنا أو طبيعة الاهتمامات السياسية أو تلك الشعبية، بل إن تفسير الأمر يتطلب فهماً لهم جميعاً، وعلاقاتهم المتبادلة وتأثير كل منهم على الآخرين خاصة وأن هذه الثنائيات قد تمتد إلى ثلاثيات ورباعيات، هذه الديناميكيات المعقدة هي في صميم الثقافة السياسية العربية.
وهي التي أدت ولا تزال تقود إلى وصول الواقع العربي إلى ما هو عليه اليوم، أو إلى الوضع الذي أتحدث عنه هنا ، "الانشغال بالسياسة دون العمل الجاد فيها وهذا لا ينفي محاولة التجديد في الاستراتيجيات وادوات العمل السياسي لدى معظم دول الشرق الاوسط رغم اختفاء ملامح القيادة السياسية الديمقراطية في انظمة الحكم العربي لذا اعتقد اننا نشهد الآن حراكاً سياسياً عربياً فاعلاً رغم أنه لا يزال أقل مما هو مطلوب وكافي سواء على صعيد السياسة المحلية أو الإقليمية الدولية.
فإذا تحدثنا عن الانخراط في السياسة والتي بدورها، على الرغم من أنها لا تزال خجولة تهيمن عليها مجموعة قديمة من الاخفاقات المحبطة، وأعتقد أن المشاركة السياسية المدنية، بعيدًا عن الإسلام السياسي، التي تشهدها المنطقة اليوم هي الأعلى منذ عقود، وهي تحدث اليوم في ظل الأنظمة نفسها وهذا يعني أن مستوى الادراك لحجم الفضاء السياسي آخذ في الازدياد ومعه الثقافة السياسية المدنية في الشرق الاوسط.
قد يربط البعض هذه الفجوة مع عامة الناس - وخاصة بين الشباب - بما يسمى "بالربيع العربي" وهذا قد لا يكون خطأ، لكني أرى ذلك نتيجة إيجابية جراء التطور والتبادل المباشر للمعلومات والثقافات مع العالم بشكل عام، الذي ولدته ثورة التكنولوجيا الحديثة حتى صار مفهوم "السياسة" اكثرا قربا بالنسبة للجماهير.
في السابق تعوّدنا على أن السياسة مرتبطة بالسلطة وحدها والوصول إليها وفرضها، اما من الملاحظ الان هو الابتعاد التدريجي للسياسة عن هذا المعنى واقترابها أكثر من معناها القديم في اللغة الإنجليزية المرتبط بالدولة المدنية واليوم أمام الحكومات العربية فرصة مهمة ليس فقط للمشاركة في السياسة ولكن لتعزيز المشاركة العامة في السياسة الدولية، التي تعتمد على عدم تكرار أخطاء الماضي.
قد يرى البعض أن كلماتي هذه خيالية فلا أحد يتخلى عن السلطة في العالم العربي ، وبالتالي لن يسمح للآخرين بالمشاركة في السياسة في حين أنه من الضروري توسيع هذا المفهوم مرة أخرى والتركيز أيضًا على العمل السياسي الذي يشمل جميع أجزاء المجتمع وخصائصه واقتصاده وعمله وقوانينه وبنيته الاجتماعية والعلاقة القوية بين أجزائه وقد تم تجربة أنواع عديدة من "الاستراتيجيات" في الدول العربية وثبت فشل معظمها، لذلك يجب ان يصبح التغيير تعهدًا طوعيًا قبل أن يتم فرضه، وهذا يتطلب الاستماع للأفكار الشابة، وتفهم طموحهم واشراكهم بالعملية السياسية وعملية صنع القرارات سواء أكانوا من المهتمين بالسياسة أو المختصين، لذا بدلاً من إقصاء هؤلاء وإهمالهم يجب البحث عنهم ودعمهم والتشاور معهم، لأجل ان لا نكون منشغلين دائماً بالسياسة وغير مشتغلين بها، وحتى لا نضطر للخضوع لمن يصدرون لنا سياستنا، ونكون خاملين بدل من أن نكون مؤثرين وفاعلين.