نظرية العقد الاجتماعي

نظرية العقد الاجتماعي

محمد رجب رشيد

لم تَعرِفْ التجمُّعات السكّانية أي عقد إجتماعي أو سُلطة حاكِمة في مرحلة المشاعيّة -الحالة الطبيعية البدائية- لبساطة الحياة حينها، نشاط الأفراد كان مُرتبِطًا إلى حدٍ كبيرٍ بمستوى وعيهم وقوتهم البدنية، ومقتصِرًا على تأمين حاجاتهم الشخصية. مع بداية عصر الزراعة والاستقرار في تجمُّعات سكنية دائمة تعقّدت الحياة نسبيًا، وأصبحت الحاجّة ماسّة إلى تنظيم شؤون المجتمع.
على الرغم من ظهور أفكار مُماثِلة للعقد الاجتماعي في الفلسفة اليونانية القديمة والفلسفة الرومانية والقانون الكَنسي، لكِنّها لم ترقَ إلى نظرية اجتماعية سياسية متكاملة إلّا مع نهاية الحروب الدينية في أوربّا وبداية عصر النهضة، حيث أُعتبِرَ العقد الاجتماعي من أهم مصادر الشرعية السياسية الحاكِمة.
تقوم نظرية العقد الاجتماعي على عِدّة مسلمات، أهمُّها ظهور الإنسان سابِق لِظهور الدول والسلطات الحاكِمة، الأفراد في الحالة الطبيعية متساوون وعلى علاقة تنافسيّة فيما بينهم، الإنسان يتطوّر، والعقد الاجتماعي باقٍ لأنّه أكثر ثباتًا واستمرارًا من الدستور القابِل للتعديل أو تعليق العمل به، السُلطات الحاكِمة والقوانين التي تحكُم بموجبها من صُنع الإنسان، وبالتالي لا تحملان صِفة الديمومة، بل تتغيّران مع مرور الزمن وعند الحاجة.
تُعرف نظرية العقد الاجتماعي بمخزون من القِيَم المشتركة بين أفراد المجتمع الواحد، وتُشير إلى اتفاق افتراضي -غير مُوثّق- بين الأفراد على إختلاف انتماءاتهم -العرقية، القومية، الدينية، المذهبية- والمجتمع من جهة وبين المجتمع والسلطة الحاكِمة من جهةّ أخرى، تُوافِق بموجبه أفراد المجتمع الواحد على نمط معيّن من العيش المشترك على أُسس من الأخلاق وإحترام العادات والتقاليد والعقائد وخصوصية كل مكوِّن من مكوِّناته، في ظل سلطة تمثِّل الشعب ومسؤولة منه، تعمل على تأمين حاجاته الأساسية من السِلم، الأمن، التعليم، التأمين الصحي، الضمان الإجتماعي والخدمات ... إلخ، مقابل ذلك يتخلّى أفراد المجتمع عن جزء من حريتهم لصالح السلطة الحاكِمة لِكي تقوم بدورها على أكمل وجه، وفي حال إساءة إستخدام السلطة أو تقصيرِها يُعتبر العقد الاجتماعي مُلغىً، والشعب عندئذ غير مُجبر على طاعتها، وأكثر من ذلك يحقُّ له تغييرها بكُل السُبل المتاحة.
تأتي أهمية العقد الاجتماعي من نقل مصدر السُلطة من السماء إلى الأرض، وذلك بوضع حد للعمل بِنظرية الحق الإلهى المقدّس للملوك في الحُكم بإسم الله، والتى ظلّت راسخة لفترة طويلة من الزمن، مع العِلم أنّ الله سبحانه وتعالى لم يهِب السُلطة لفرد معين أو أسرة معينة، مِمّا يعني أنّ الأفراد المشاركين في العقد هم مصدر السلطة وغايتها.
تعتبرُ نظرية العقد الاجتماعي أفضل صيغة لِتنظيم شؤون الحياة المشتركة بين أفراد المجتمع الواحد، وتوزيع المهام والمسؤوليات مع السلطة الحاكمة، فضلاً عن كونِها القاعدة الأساسية للتوفيق بين الإرادة العامة للجماعة والإرادات الفردية أو الجزئية المنضوية تحت لِوائها، والوسيلة المُثلى لإزالة التناقض بين ميول الإنسان الفردية وواجباته الاجتماعية، وأداة تحولُ دون تصعيد التنافس على المصالح والمراتب إلى الحد الذي يجعل منه صراعًا تناحريًا يُهدِّد الناس في حريتهم وحقوقهم وحياتهم.
الإنسان بالفطرة يعشق الحرية، ويرفض القيود، هذه المسلّمة قد تقود البعض إلى اعتبار العقد الاجتماعي فِكرة سخيفة غير قابِلة للحياة، للتخلُّص من هذه المُعضِلة بحث مُنظِّرو العقد الاجتماعي عن الأسباب التي تجعل الفرد العاقل يتخلّى طواعية عن حريته مقابِل الحصول على منافع السلطة السياسية، فَقاموا بوضع تصوّر لِحال المجتمع مع غياب تام للقوانين والضوابط الناظِمة لسلوك الأفراد، توصّلوا إلى نتيجة مفادها أنّ الحرية المطلقة تعادل العبودية من حيث النتائج، وبالتالي لا بدّ من وضع ضوابط لسلوك الأفراد ضمن المجتمع الواحد، وإلّا سيغيب جميع أشكال الردع وتسود فوضى عارِمة، الأقوياء والأذكياء سيفعلون كُل ما يحلو لهم من السرقة والقتل والاعتداء على حقوق الآخرين واستغلالهم دون الخوف من العقاب. بينما في حال اتفق الجميع على أنّ تلك السلوكيات خاطِئة وغير مقبولة، والعقد الاجتماعي هو الضمان لِإحقاق الحق ونبذ الباطل، عندئذ سنكون أمام مجتمع تنعُم بالعدالة والمساواة.
لا شكّ أنّ الحروب هي أقسى ما عانت منها الإنسانية على مرِّ تاريخها بغضِّ النظر عن المنتصر والمنهزم، والحروب الأهلية هي الأقسى والأخطر على حاضر ومستقبل الشعوب. بالعودة إلى التاريخ نجد أنَّ معظم الحروب الأهلية كانت تكرارًا لحروب أهلية سابقة، أو لِردِّ مظالم لم تُوضع لها حد.
ولعلّ من أخطر تداعيات الحروب الأهلية فرط العقد الاجتماعي وكأنّه لم يكن، عندئذ أفضل البدائل إن وُجِدَتْ ستكون بطعم الحنظل، إمّا التقسيم كما حصل في يوغسلافيا السابقة نهاية القرن الماضي، والسودان في بداية القرن الحالي. أو دولة فاشلة بجميع المعايير، كما هو حاصل حاليًا في كل من لبنان، العراق، ليبيا، سوريا واليمن.
إنّ فرط العقد الاجتماعي ليس قَدَرًا محتومًا، بل يمكن تجنُّبه حتّى مع وجود صراع داخلي مسلّح في حال توفّرت الإرادة والعقلانية، وأدرك الجميع أهمية التنوُّع والعيش المشترك.