في شأن المجلس الكردي.. والتّساوي بين الضحيّة والجلاد
عمر كوجري
تشهد الساحة الكردية في غربي كوردستان حراكاً ثقافياً وفكرياً متبايناً، حيث تظهر المواقف والآراء مختلفة، قلما نجدها تعتمد التحليل المنطقي السليم المدعم بالأدلة والبراهين، أو البحث الجدي المبني على التقصي ومعرفة الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى تشكّل ظاهرة ما، ولذلك تنطبع هذه الآراء ببعض الشوائب المنبثقة عن مشاعر مكنونة ذات طبيعة نفسية متأثرة بعلاقات شخصية، وهذه العلاقات تتجاذبها الخلافات والأحقاد أو المصالح والأجندات الخاصة، وهي تلقي بظلالها على المواقف والكتابات وأحياناً بعض الدراسات غير المحكمة، وتتجلى هذه المواقف بوضوح في التناقض في تقييم الحالة السياسية بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي.
يمكننا اتخاذ هذه الحالة كنموذج للنظر في تداعيات هذه المواقف التي تؤثر بشكل ما، أولاً: في سياق الحركة السياسية الكردية ومسيرتها النضالية، وثانياً في بنية المجتمع التي تتجسّد في مسألة الرأي العام، فالباحث الحصيف والمثقف الملتزم ينظر إلى بواطن الأمور، ويسبر أغوار الظاهرة ليدرك تفاصيلها، ومن ثم يرسم حوافها وحدودها، ويصل إلى الاستنتاجات التي تلخّص تصوراته وقناعاته حول هذه الظاهرة، وبما تفرض عليه الأدلة المقرونة بالوقائع والممارسات، ومن هنا فإن الوقائع كافية لإدانة مواقف ب ي د وممارساتها على الأرض التي كان من تداعياتها وعواقبها إلحاق الضرر بالشعب الكردي وقضيته في سوريا، وليس أقل مما يمكن ذكره من مسألة فقدان عفرين وسري كانييه وكري سبي وتهجير أهلها، وإجراءات التغيير الديموغرافي التي مارستها الفصائل والقوى المسلحة، وسائر القضايا الأخرى من التعليم والخدمات ومتطلبات الحياة الضرورية والهجرة وغيرها كثير، بينما يحاول بعض الكتاب والمثقفين عن صدق نية أو سوئها أن يشرك المجلس الكردي في هذا الضرر من منطلق أنه يمثل الطرف الآخر من الحراك السياسي، ولا يقوم بما يلزم لمنع وقوع هذه الأضرار، وقد يوغل بعضهم في التهجم كنوع من التقريع والذم، وتوظيف نعوت تعبّر عن حقد دفين، وليس عن جهد علمي لتقييم الحالة ونبذ السلبيات، لذلك درج بعضهم على توصيف المجلس بصفات زائفة في معرض المقارنة بينه وبين ب ي د، وهنا يتغاضى عن الظروف الاستبدادية والسلطوية التي فرضتها ب ي د وألغت الهامش الديمقراطي في ممارسة العمل السياسي بحرية، من خطف واعتقال وتصفية جسدية بحق أنصار المجلس الكردي.
المجلس الكردي هو حالة سياسية، وليست عسكرية، ويتطلب عمله فسحة من الحرية وهامشاً ديمقراطياً، وعندما يتعرّض أعضاؤه وأنصاره وقياداته للاعتقال والتعنيف والنفي، فإن ذلك بالضرورة يستدعي الحذر في العمل، وعدم الانجرار للساحة التي يريدها ال ب ي د وهي التصعيد إلى أقصاه، هذا يحتاج إلى أسلوب آخر من النضال، وقد يكون البديل هو الاعتصامات والاحتجاجات في الداخل، والتركيز على تنشيط الدبلوماسية في الخارج، وهو ما يفعله المجلس الآن.
المطلوب من المثقفين والكتاب والمشتغلين بالفكر والبحث عدم مساواة الضحية مع الجلاد، وعليهم أن يلتزموا جانب التفكير المنطقي والبحث المحكم قبل إطلاق أحكام جائرة ذات منبع عاطفي أو نفسي لايفيد في تحليل اللوحة على الأرض.