تحرير الدبلوماسية الكردية

تحرير الدبلوماسية الكردية

شادي حاجي

الحقيقة أن الدبلوماسية موضوع كبير ومتشعب ومهم للغاية لن نتناولها برمتها من حيث تاريخها، ومؤسساتها، وأنواعها، وقوانينها، ولا من حيث مدلولها ومعناها، وتعريفاتها ومفاهيمها ودلالاتها التي تطورت مع الزمن، وأصبحت تشير إلى معان مختلفة، ولا من حيث تنوُّع أنماطها، وتعدُّد صورها وأشكالها، ومعروف أن مصطلح الدبلوماسية اقترن بالدول والعلاقات الدولية، وقد حددت الكثير من الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق الدولية المتعلقة بالدبلوماسيين والسلك الدبلوماسي، لهذا وانسجاماً مع الموضوع الذي نحن بصدده لن نتطرق إلى هذا الشكل من الدبلوماسية بين الدول، لوجود دراسات وأبحاث عديدة قام بها فقهاء القانون، وأساتذة الجامعات يمكن الرجوع إليها بسهولة. لذلك سنكتفي بإيراد تعريف عام قد يكون جامعاً شاملاً للدبلوماسية وهي أنها: أداة من أدوات التعريف الحضاري والجمع المعلوماتي بين الدول والشعوب والتجمعات، بل هي من أهم القنوات الحضارية في التمثيل الخارجي وفي العلاقات الرسمية وغير الرسمية بين المكونات والشعوب من جهة أو بين الحركات السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية والاقتصادية والرياضية من جهة أخرى، والتي تمكنها في التعبير عن مصالحها المتبادلة، وتساعدها على توطيد العلاقات المختلفة الجوانب فيما بينها تحقيقاً لآمالها المعقودة أو وصولاً إلى أهدافها المنشودة .
إن مانريد أن نتطرّق إليه هو الدبلوماسية خارج نطاق الدول، وعلى ضوء ذلك سنتناول الدبلوماسية الكردية وسبيل تطوير أدائها، فإذا كانت ممارسة العمل الدبلوماسي من أعمال السيادة تمارسه الدول المستقلة المعترف بها، أي باعتبارها نشاطاً مؤسساتياً يمارس بعد قيام الدولة، فإن الدبلوماسية في حالتنا الكردية استثناء للقاعدة. فهي نشأت وتطورت في ظروف مختلفة عن نظيراتها في معظم دول العالم، حيث نشأت في ظل عدم وجود كيان كردي مستقل ذي سيادة، وقد أخذ العمل الدبلوماسي الكردي في سوريا بالتوسع والتطور، واحتل موقعاً لابأس به في العملية السياسية والنضالية السلمية داخل الأحزاب والمنظمات والحركات، وذلك على الصعيدين الداخلي في سوريا والخارجي في أوربا .
أما بالنسبة للدبلوماسية الكردية على الصعيد الداخلي فإنها اقتصرت على الأحزاب الكردية في سوريا بين بعضها البعض حيث نجحت في بعض المراحل على تشكيل جبهة أو تحالف أو تنسيقية بين عدة أحزاب كردية، وأحياناً نجح بعضها في إقامة علاقات جيدة بينها وبين بعض الأحزاب التابعة للمكون السرياني الآشوري، وأحياناً مع بعض القوى والشخصيات العربية من ذوي التوجهات الديمقراطية في مراحل تاريخية سابقة بينما فشلت في التعريف عن القضية الكردية العادلة في سوريا على المستوى الشعبي العام والدولة السورية، وفشلت في تشكيل رأي كردي سوري عام ضاغط لأسباب عديدة أهمها سرية وحظر العمل السياسي واتباع الأساليب العنفية والقمعية والاعتقال وو. بالإضافة إلى الأسباب الذاتية والتي هي باتت معروفة مثل الانقسامات والانشقاقات الحزبية نتيجة غياب الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة ومبدأ المحاسبة .
أما بالنسبة للدبلوماسية الكردية السورية في الخارج ظهرت نتيجة حصول موجات الهجرة الى الخارج وبشكل خاص في أوربا والتي بمعظمها ناجمة عن الظروف السياسية أو الاقتصادية او الاجتماعية الصعبة بالنسبة للشعب الكردي أسوة بالشعوب والأقليات والقوميات المغلوبة على أمرها في العالم والتي ازدادت وتيرتها في العقد الأخير بشكل كبير منذ الأزمة السورية. وذلك من خلال المنظمات الحزبية أوالتنظيمات والتجمُّعات الثقافية والاجتماعية أو غيرها من اللجان والفعاليات والهيئات المشتركة. حيث تجلت صورها من خلال القيام ببعض النشاطات الميدانية في بعض الدول الأوربية والتي تركزت معظمها في كل من ألمانيا وهولندا وبلجيكا عبر القيام بالتظاهرات والاعتصامات والإضراب عن الطعام أمام السفارات وبرلمانات وحكومات الدول الأوربية وبرلمان الاتحاد الأوربي والمفوضية الأوربية وأمام سفارات الدول التي تترأس الاتحاد الأوربي بشكل دوري بهدف الوصول الى مراكز القرار تلك واللقاء مع بعض المسؤولين أو البرلمانيين ولو لبضع دقائق لشرح معاناة الشعب الكردي في سوريا والاضطهاد الذي يتعرضون له من قبل النظام السوري العنصري الشوفيني واستغلال اللقاء بتقديم مذكرة حول الأحداث التي كان يتعرض له الشعب الكردي في سوريا، ومازلوا يتعرضون إليه وبشكل أشد وأقسى وأوسع منذ بدء الأزمة السورية داخلياً وإقليمياً .
هنا من حقنا أن نتساءل ومن حق القراء أن يسألوا :
هل استطاعت الدبلوماسية الكردية في الخارج القيام بما يملي عليها من واجبات ومهام، وأن تلعب دوراً أساسياً في المساهمة في توصيل الأفكار والمبادئ والطموحات الكردية الى الآخرين من الشعوب والدول والمنظمات والهيئات المختلفة ذات الشأن في الوسط الخارجي لكسب تأييدها ونيل دعمها السياسي والمعنوي واستمالتها إلى جانب قضيتها ومؤازرتها لتأمين الحقوق القومية المشروعة التي تناضل الحركة الكردية في الداخل من أجل تحقيقها؟
وللإجابة على السؤال المذكور أعلاه ونظراً لأهميته لابد من التأمل والوقوف ملياً أمام العثرات والمصاعب التي اعترضت ومازالت تعترض سبيل قيام الدبلوماسية الكردية في الخارج بدورها كما يجب طبعاً ولاشك في ذلك هناك مصاعب جمة ومشكلات كثيرة منها عامة ومنها خاصة .
بالنسبة للمشكلات العامة هي :
1- افتقار الحركة الكردية الى كوادر تتقن فنون الدبلوماسية وإدارة العلاقات العامة وفنون الإحتواء وطرق وأدوات الضغط ودوائر التأثير، وبقاء الدبلوماسية في حدود أشخاص وأحزاب ولم تصل الى مؤسسات فاعلة، وهذا ماحال دون إحراز أي تقدم على الأرض .
2- الدبلوماسية الكردية في الخارج تشكلت من خليط متفاوت غير متجانس من الانتماءات السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية والتي تنتفي فيها من حيث المضمون صفة أو شرعية الدبلوماسية الرسمية في العلاقات والتمثيل الخارجي .
3-كونها دبلوماسية متشتتة تعاني من مشكلات عدم التنسيق والاتفاق في الموقف والرؤية، وذلك نتيجة عدم وجود جسور العلاقات والتعاون فيما بينها في تلك البلدان وفيما بينها وبين الحركة الكردية المنقسمة على نفسها أيضاً في الداخل والتي تعكس سلباً على ثبات مواقف الدبلوماسية الكردية في الخارج .
أما بالنسبة للمشكلات الخاصة بالدبلوماسية الكردية في الخارج فهي :
تركيز نشاطها الدبلوماسي في بلدان معينة ومحددة دون غيرها من البلدان والدول وهذا ماأدى الى تقليص دورها الإيجابي التي تقتضيها ضرورات الدبلوماسية الكردية المعاصرة . .... ومع هذا وذاك فإنه لايمكن إنكار الدور المهم لهذه الدبلوماسية، وإن كان يلاحظ فيها جانب من المحدودية فيما قامت بها من واجبات وبما حققتها من أدوار وبما أنجزتها من علاقات متميزة تخدم أمال الشعب الكردي وطموحاته .
إزاء ماتقدّم، ولكي ترتقي الدبلوماسية الكردية في الخارج إلى المستوى المطلوب الوصول إليه، وتتمكن من التعامل مع المحيط الخارجي الذي تخالطه بايجابية، وتؤدي المهام العاجلة الملقاة على كاهلها، ينبغي على الحركة الكردية في الداخل أن تتحمل مسؤولية معركتها ونضالها السياسي السلمي نحو الحرية المعركة التي أحد أهم أدواتها الدبلوماسية الفاعلة والنشطة والداعية لرسالتها النضالية والحضارية.
والتي نأمل أن يختاروا أو ينتخبوا وفق اتيكيت وبروتكول مقومات الدبلوماسي الناجح بحيث يتوفر في من سيختار للعمل الدبلوماسي أن يتوفر فيه مزيج من العلم والفن معاً، حيث جانبه العلمي يتطلب أن يكون على درجة عالية من العلم والمؤهل العلمي بمجالاته المتعددة علم القانون الدولي والعلاقات الدولية والعلوم السياسية ومعرفة العلاقات القائمة والإطار القانوني أو الاتفاقي لتلك العلاقات وماينتج عنها من آثار، وبتقاليد فن التحاور والتفاوض، أما الجانب الفني فهو امتلاك الشخص بشكل أساسي وأولي - كل الصفات الشخصية والذهنية التي يتمتع بها أقرانه من الناجحين من رجال الأعمال أو المديرين أو كبار الموظفين، وأن تكون له دراية تامة بتاريخ وحضارة وتراث شعبه وبلاده ومؤسساتها ومواردها .
والى جانب ذلك يتعين أن يكون الدبلوماسي قادراً على فهم استراتيجيات الدول الكبرى والتيارات السياسية في المناطق الاقليمية المختلفة فيها .
مع التركيز بصفة خاصة على مايتعلق ببلاده وشعبه وقضيته، وبالدول المجاورة وبالمنطقة التي يعيش فيها، كما يقتضي أيضاً فهم (ميكانيزم) عمل المنظمات الدولية والاقليمية، وأن يكون قادراً على تقديم التوصيات المفيدة للقيادة السياسية في الداخل، إلى جانب الصدق والذكاء وحسن التصرف واللباقة والتبصر في المواقف وعواقب الأمور والتقدير المتزن والمتوازن لها بالإضافة إلى امتلاك المقدرة على التوجيه والاقناع، وتتبع الأحداث والدقة في التعبير والملاحظة والتحليل والتقرير والإدارة كما عليه أن يتميز بالحس السياسي وبالتعاطف مع التعدد الفكري والاجتماعي والديني في الدول المختلفة.
ليس هذا وحسب فإلى جانب ماسبق هناك بعض الأمور التي تتعلق بالشكل والمظهر والتي لابد من الأخذ به وهو: مظهر وأناقة الدبلوماسي واتفاق ملابسه مع عمره ومركزه الدبلوماسي وقدرته على الامتناع عن الصوت العالي والتوتر، وعلى إدارة دفة الحديث مع مختلف الأفراد بصرف النظر عن الطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها وعلى تجنب المشاكل، علماً أنه لدينا نحن الكرد السوريين الكثير من الكفاءات التي تنتظر فرصتها ولديها الموهبة الدبلوماسية والمعرفة القادرة على تغيير الكثير من المواقف والمعادلات الداخلية والإقليمية والدولية من خلال إقامة العلاقات والجلوس خلف طاولات الحوار والتفاوض رأساً على عقب كما فعل أشقاؤنا الكرد في اقليم كوردستان عندما انتصروا خلف طاولات التفاوض دون أن يفقدوا بريق انتصاراتهم في الجبال .
فهل ستتمكن الحركة الكردية من تحرير الدبلوماسية الكردية من هيمنة وحدود أشخاص والوصول بها الى مؤسسات فاعلة؟