كُرة القدم والسياسة

كُرة القدم والسياسة

محمد رجب رشيد

إن كُرة القدم هي الرياضة الأكثر شعبية وتعبئة على مستوى العالم، فقد احتلت الصدارة من حيث الأهمية والمشاركة والمشاهدة والمتابعة، ولا يمكن لأي رياضة أخرى أنْ تحدَّ من هيمنتها، ليس هذا فحسب بل هي بِمثابة رابط إجتماعي عابِر للحدود والقارات، تُلفِت انتباه الجميع حتى الذين لا تستهويهم الرياضة، وتثير الجدل الممزوج بالحماس والفرح لدى جميع الفئات العمريّة في أي مجتمع كان، يُلاحظ ذلك بوضوح في العلاقة السائدة بين أعضاء روابط المشجعين في جميع أنحاء العالم، حيث يجدون في مدرّجات الملاعب ملاذًا آمنًا للهروب من أعباء الحياة اليومية الخاضِعة للقوانين والأعراف، والتي لا يمكن الفِكاك منها إلا في مدرّجات الملاعب. وهذا ما عبّر عليه الروائي الفرنسي ألبير كامو بقوله: (لا يوجد مكان في العالم يكون فيه الإنسان أكثر سعادة من ملعب كرة القدم).
على الرغم من كون فيفا (FiFi) إمبراطورية مالية وبشرية أكبر من بعض الدول من حيث الميزانية وعدد الأعضاء الذي يُقدّر بالملايين، ومحاولتها سن قوانين ناظمة تُحيّد كرة القدم عن أي تأثيرات سياسية يمكن أن تُخرِجها عن إطارها الطبيعي كوسيلة للترفيه والتقارب وليس للصراعات، إلّا أنّ الواقع أثبت صعوبة تحقيق ذلك، فـالرياضة الخالصة باتتْ أمرًا صعب المنال في ظل مساعي أطراف عديدة لتوظيف كرة القدم في خدمة أجِندات سياسية معينة. فالسياسة كما نعلم تحشُر أُنُفَها في جميع الشؤون المحلية والعالمية، ونظرًا لأهمية كُرة القدم فلا يمكن تجنُّب إستثمارها سياسيًا من قِبل الدول والأنظمة لتحقيق مآرِبها سلبًا كانت أم إيجاباً.
للوهلة الأولى قد يبدو عدم وجود عوامل مُشتركة واضِحة بين كرة القدم والسياسة، إلّا أنّهما في الواقع يتأثّران بِبعضهما البعض بحيث يمكن وصفهما بفرعين لمسارٍ واحد، قد يبدأ في الملاعب وينتهي في أروِقة السياسة والمصالح، أو يبدأ في أروِقة السياسة ويُترجم على أرضية الملاعب.
من المُلاحظ أنّ العلاقة القائمة حاليًا بين السياسة والرياضة بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص هي علاقة غير متوازنة، غالبًا ما تكون كفة السياسة هي الراجحة، بمعنى أنّ إحراز الألقاب الرياضية لِأي دولة هي إضافة لسياستها، بينما تدخُّل السياسة في الرياضة هو مفسدة لها. ولكن هذا لا يمنع من وجود بعض أوجُه التشابه بينهما، لعلّ من أهمُّها وجود فائز وخاسر هنا وهناك، مع فارِق أنّ الفوز في كرة القدم يتعلّق بالكفاءة والقدرة البدنية والعقل المدبِّر المتمثِّل بالمدرِّب، أمّا الجمهور فإنّه يكتفي بالتشجيع والمشاهدة الحيّة في الملاعب أو في المنازل من خلال أقنية البث المباشر، بالطبع لا يمكِن للجمهور معرفة نتائج المباريات مُسبقًا بشكل قطعي لسبب بسيط هو عدم خضوعها للمنطِق، أمّا التوقَّع فهو شكل من أشكال التنجيم ليس أكثر. بينما في السياسة الجماهير هي التي تحدِّد الفائز والخاسِر في الانتخابات الرئاسيّة أو النيابيّة، والنتائج تتوقّف على مدى مطابقة وملائمة برامج وأفكار وايديولوجيات الساسة لِمصالح الجماهير، ويمكن توقُّعها مسبقًا من خلال استطلاعات الرأي.
لنأتِ الآن على ذِكر أهم حالات تدخُّل السياسة في شؤون كرة القدم:
- عدم ترديد لاعبي المنتخب الإيراني النشيد الوطني لبلدهم أثناء عزف النشيد قبل مباراته الأولى في كأس العالم الحالية، وذلك تضامنًا مع التظاهرات الشعبية للشعوب الإيرانية منذ أشهر ضد نظام الولي الفقيه.
- إبعاد منتخب روسيا عن تصفيّات قارة أوربا المؤهِّلة لكأس العالم الحالية في قطر بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا.
- إبعاد منتخب يوغسلافيا السابقة عن نهائيات كأس الأمم الأوربية عام ١٩٩٢م بسبب الحرب الأهلية بين الشعوب اليوغسلافية.
- تدخّل وزير الخارجية الأمريكية السابق هنري كيسنجر في فوز الأرجنتين بلقب بطولة كأس العالم للعام ١٩٧٨ -المقامة على أرضها- بِخرق قوانين اللعب النظيف لتجميل صورة الرئيس الديكتاتور خورخي فيديلّا أمام شعبه وأمام والعالم، وذلك بِتأخير مباريات منتخب الأرجنتين إلى مابعد المباريات الأخرى لمعرفة النتيجة التي تؤهِّله لبلوغ المباراة النهائية، فضلاً عن شِراء ذُمم الحُكّام ولاعبي منتخب بيرو، حيث أُلغِيَ هدف صحيح لمنتخب البرازيل في مرمى منتخب السويد في الدقيقة الأخيرة من مباريات الدور الأول. وفي الدور الثاني كان منتخب الأرجنتين بحاجة إلى الفوز على منتخب بيرو بفارق أربعة أهداف لبلوغ المباراة النهائية بدلًا من منتخب البرازيل، تخاذل لاعِبو منتخب بيرو وخاصّةً حارس المرمى الذي فتح مرماه لتسجِّل الأرجنتين ستة أهداف دون رد. قبل المباراة النهائية تناول لاعِبو منتخب الأرجنتين المنشِّطات وتأخروا في الدخول إلى أرضية الملعب لاستفزاز لاعبي منتخب هولندا، وهكذا كان الفوز على منتخب هولندا وإحراز اللقب العار. تبيّن فيما بعد وجود أرصدة مالية باسم حارس مرمى البيرو في البنك المركزي الأرجنتيني.
- في عام ١٩٦٩م نشبت حرب بين السلفادور وهندوراس لمدُة أربعة أيام راح ضحيتها آلاف الأرواح بسبب مباراة كرة القدم بين منتخبي الدولتين على أرض أستاد أزتيكا بمكسيكو سيتي، والتي انتهت بفوز السلفادور بثلاثة أهداف مقابل هدفين لهندوراس، وكانت المباراة هي الثالثة بين المنتخبين في غضون أسابيع ضمن تصفيات التأهُّل لكأس العالم للعام ١٩٧٠ في المكسيك.
- خوض منتخب إسرائيل لكرة القدم تصفيات كأس العالم ضمن القارة الأوربية لامتناع منتخبات الدول العربية اللعب معه.
- رغم أنّ موسوليني لم يكن مُولِعًا بكرة القدم، إلّا أنّه اكتشف أهميتها في تجميل صورته أمام شعبه وأمام العالم، وفي منحه إنجازًا وهميًّا لتمجيد حزبه. عمِل على استضافة النسخة الثانية من كأس العالم لكرة القدم للعام ١٩٣٤، وخيّر لاعبي منتخب بلاده بين الفوز باللقب والموت، و لِضمان الفوز اختار بنفسه حُكّام مباريات منتخب بلاده ليفوز باللقب.
في ساحات المعارك بين الدول تُحرق الأخضر واليابس، وتُهلِك الحرث والنسل، بينما في ملاعب كرة القدم تسود المُنافسة الشريفة بين فُرق نفس الدول على تحقيق الفوز بِأقدام ورؤوس اللاعبين، وبالنهاية لن تهتز إلّا شِباك المَرمَين. الحضور هنا من مختلف الأعراق والأديان واللغات والثقافات والعادات والتقاليد، يُدرِك الجميع أنّهم أسرة واحدة تخضع لقانون واحد بإدارة طاقم حُكّام واحد. هنا يستوي هدف اللاعب الأبيض واللاعب الأسود، اللاعب الغني واللاعب الفقير، اللاعب المؤمن واللاعب المُلحِد، يا لها من روح طيبة! ليتها تسكن حياتنا إلى الأبد.