مقاربة التحوّلات الإقليمية وقراءة تداعياتها المؤثرة
د عبدالحكيم بشار
ثمَّة تحولات كبيرة لا يُستهان بها تطرأ على المشهد الإقليمي، وقد يكون لهذه التحوّلات تداعيات هامة على الكثير من الملفات الرئيسية في المنطقة منها الملف السوري، فالعلاقات الصينية السعودية التي شهدت في الفترة الأخيرة انعطافة نوعية باتّجاه تعاون استراتيجي، حيث عقدت في الفترة ما بين 7-9 من كانون الأول 2022 ثلاث قمم، منها: القمة السعودية الصينية، والقمة الخليجية الصينية، والقمة العربية الصينية التي شارك فيها الكثير من زعماء العرب.
لا يُخفى على متابعي حركة التبادل التجاري بين كل من السعودية والصين، والسعودية وأمريكا معرفة أن حجم التجاري بين الصين والسعودية بلغ في عام 2021 مبلغاً مقداره 309 مليار ريال سعودي، بينما بلغ حجم التبادل التجاري بين السعودية وأمريكا في العام نفسه 114 مليار ريال سعودي، وتعدّ ضخامة حجم التبادل التجاري الصيني السعودي، ونتائج القمة الأخيرة انعطافة نوعية في مسار السياسات السعودية، الدولة العربية التي لها ثقلها الدولي والإقليمي.
لقد اُستُقبل الرئيس الصيني من قبل كلٍّ من جلالة الملك سلمان بن عبدالعزيز ورئيس مجلس الوزراء، وولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان، بينما كان في استقبال الرئيس الأمريكي جو بايدن من أشهر السيد نائب أمير جدة، ولهذا البروتوكول دلالة بالغة.
صدر عن القمة السعودية الصينية بيان مشترك جاء فيه:
استقبل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، فخامة الرئيس الصيني شي جينبينغ، وعقدت جلسة مباحثات رسمية بين الجانبين، جرى خلالها تبادل وجهات النظر حول سبل توطيد وتطوير علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين المملكة والصين، ووقع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وفخامة الرئيس الصيني شي جينبينغ، اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين المملكة وجمهورية الصين الشعبية.
وهنأ الجانب السعودي الصين بنجاح انعقاد المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني، ومن جانبه أعرب الجانب الصيني عن تقديره للإنجازات الكبيرة التي حققتها المملكة في مجال التنمية الوطنية في إطار «رؤية 2030».
ولطالما كان هناك عداء تاريخي بين السعودية والأنظمة والأحزاب الشيوعية لأسباب سياسية وعقائدية، وفيما يتعلق بالشأن السوري كان البيان عمومياً حيث أكد البيان على الحل السياسي للازمة السورية ووحدة سوريا وسلامة اراضيها، يعيد لها أمنها، ويخلصها من الإرهاب
ودعم جهود المبعوث الدولي.
التحول الآخر، استمرار ثورة الشعوب التي انطلقت في 14 ايلول من مدينة سقز في كوردستان ايران مسقط رأس الشابة الكردية الايرانية جينا اميني التي قتلت على يد أجهزة الأمن الإيرانية بعد تعرُّضها لأشد أنواع التعذيب في سجونهم، وامتدت الثورة إلى الكثير من المدن الإيرانية، ورفع المتظاهرون شعارات ضد ولي الفقيه نفسه ونطام الملالي، وطالبوا بإسقاطه، وبات شعار المرأة - الحياة - الحرية شعاراً أساسياً على نطاق واسع، والبعض يوصف هذه الثورة بأنها ثورة النساء مما أربك النظام الإيراني كثيراً والذي صعّد من هجماته ضد المدنيين ونفّذ عمليات قتل منظمة وإعدامات ميدانية بدون محاكمة، وكشفت للعالم الخارجي مدى السخط الشعبي تجاه هذا النظام.
ومن الجوانب الإيجابية لثورة الشعوب الإيرانية ضد سلطة الملالي بالنسبة لشعوب الدولة المجاورة أنها أثرت بشكل كبير على مسار الدعم الإيراني لحلفائه في المنطقة، ومن ضمنهم النظام السوري، ناهيكم عن إمكانية حصول تحولات جوهرية مهمة على مستوى نظام الحكم في إيران. ان حظيت هذه الثورة بالاهتمام والدعم الدولي اللازمين.
والتحوّل المستجد حالياً هو المقاربة التركية المستجدّة للملف السوري والتي لم تتضح معالمها بعد، ولكن يجب أن يوضع في الحسبان إمكانية انفتاح سياسي بين تركيا والنظام السوري حسب تصريحات الكثير من المسؤولين الاتراك رغم تعقيد الملفات بينهما وصعوبة حلحلة تلك الملفات التي لا تنحصر بين النظام وتركيا، إنما بكونها مرتبطة بدول أخرى لها نفوذها القوي في سوريا.
عدا عن الانهيار الاقتصادي غير المسبوق الذي تشهده مناطق سيطرة النظام السوري، وخلو البنك المركزي السوري من العملة الصعبة، وتوقف الكثير من المرافق العامة والخاصة بسبب فقدان الوقود، وبالتالي ازدياد السخط الشعبي بشكل متصاعد في صفوف الموالين للنظام.
إذ أن كل هذه المستجدات التي لها تأثيرها المباشر على الملف السوري ككل تتطلب من المعارضة السورية بكافة مكوناتها قراءة عميقة لهذه التحوّلات، وأن تعمل بجد وفاعلية على مراجعة الذات في هذه المرحلة الحرجة، والتخلّي عن الحالة النمطية لأدائها السابق، وأن تقوم بوضع استراتيجيات تتلاءم مع مستجدات المرحلة للتحرك وفق الأسس والمعطيات الجديدة.