نظرية المعرفة

نظرية المعرفة

محمد رجب رشيد

جوهر خَلق الإنسان يتلّخص بِثنائية (الحرية تكريمًا، والمعرفة وجوبًا)، الحرية هنا تعني حرية الإيمان بالله وعبادته أو الكُفر به ومعصيته، أمّا المعرفة فإنّ تحصيلها واجب على كل شخص تجاه نفسه ومجتمعه بِقدر المُستطاع.
معرفتك بالله على نحوٍ صحيح بالفِطرة أو بالقناعة هي ما تجعلك مؤمنًا به، ومعرفتك بالله على نحو مختلف قد تجعلك لا دينيًّا، وعدم معرفتك بالله تجعلك ملحِدًا، أمّا معرفتك بِذاتِك فتجعلك أكثر راحة واطمئنانًا واتساقًا مع نفسك، وإحاطةً بإمكانياتك الفكرية والجسدية كي لا تدّعي ما لست عليه. ومدى معرفتك بالعالم من حولك قد يجعلك شخصًا سطحيًّا أو مثقفًا واسع الاطلاع.
لقد أثار مفهوما الاعتقاد والشكّ في نظريّة المعرفة الكثير من الجدل منذ القِدم، الأمر الذي جعل المعرِفة تتأرجح بين الإنكار ونُظم من الحقائق المطلقة، وتتوسّطهما الكثير من الافتراضات الصّحيحة المبرِّرة، أمّا أفلاطون فقد اختصر مفهوم الاعتقاد بِحامل الحقيقة الأكثر شيوعاً.
إنّ صحّة اعتقاد الإنسان بشيء ما لا تعني اليقين المُطلق في جميع الأحوال، فالاعتقاد قد يحمِل كامِل الحقيقة أو بعضها أو ينفيها، بمعنى إذا اعتقد أحد الأشخاص بإمكانية إجتياز امتحان السياقة بنجاح ثمّ رسب نقول: إعتقد أنّه سينجح، لكِنّ إعتقاده كان خاطِئًا، وفي حال نجح نقول: كان يعتقد أنه سينجح، والآن يعرف أنّه ناجح.
أمّا الشكّ في فلسفة المعرفة فهو سلاح ذو حدين، إمّا شكّ منهجي يبدأ به الباحث ولا ينتهي إليه، يتّخذِه كمقدمة للوصول إلى اليقين، فالشكّ هنا وسيلة لا غاية في حدِّ ذاته، تمامًا كالسُلُّم الذي يعصد عليه المرء إلى السطح ثم يستغني عنه. أو شكّ مذهبي تبدأ به المعرِفة وتنتهي إليه، فالشكّ هنا أشبه بالعقيدة والإيدلوجيا لأنّه أصبح وسيلة وغاية معًا، وبالتالي لا بدّ أن يتجاهل الحقائق ويعجز عن بلوغ اليقين.
تُعَدُّ نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) إحدى أهم فروع الفلسفة، ومن أكثر الموضوعات ثراءًا، تهتم بتفكيك معطيات المعرفة والإشكاليات الناتجة عن العلاقة بين ذات الإنسان العارِفة والموضوعات المعروضة، والبحث عن مدى التطابق بين التصوُّر الذهني والواقع الخارجي، ثمّ الإجابة عن أسئلة من قبيل: ما هي المعرفة؟ وما أهميتها ومصادرها ومجالها؟ وكيفية إنتاجها؟ وما الذي يجعل المعتقدات المبرَّرة مُبرِّرة؟ وماذا يعني القول: أنّنا نعرف شيئًا ما؟ وكيف نعلم أنّنا نعرف؟
المعرِفة هي نِتاج صراع الأفكار والفرضيّات والتخيُّلات المستقبلية، وغاية جميع الأبحاث والرحلات والمغامرات العلمية المُكلِفة والمُرهِقة، بإختصار هي كُل ما يصل إلى إدرك الإنسان من تصوّرات عن طريق إحدى الحواس أو التجربة. فالسمع والبصر والفؤاد وظائف وليس أدوات، السمع وظيفة تمييز الأصوات والأُذن أداته، والبصر وظيفة تمييز كل ما نراه والعين أداته، أمّا الفؤاد فهو وظيفة الإدراك المُشخّص للحواس والدماغ أداة التخزين والتحليل والتفكير.
تأتي أهمية نظرية المعرفة في كونِها الحاجة العليا للإنسان، بها يُحدِّد موقفه من الحقائق وكيفية الوصول إليها والتمكُّن منها، ساحتها الكون وما يحتويه. أمّا مصادر المعرفة فإنّها تتدرّج من البسيط إلى المعقّد، من فِطرة الله التي فطر الناس عليها إلى الملاحظة والتأمّل فالتفكُّر والبحث العلمي من خلال المِنصّات المنتجة.
كانت الفلسفة في بداياتها تبحث عن أصل الحياة والطبيعة والكون وماهيّة الأشياء، وتُؤكِّد على أهمية العقل في إنتاج المعرفة، أمّا في عصر النهضة فقد احتلّت مسائل المعرفة مكانةً كُبرى لدى الفلاسفة، وأصبحت إحدى أهم سِمات الفلسفة، تكامل البحث فيها على يد الفيلسوف الإنكليزي جون لوك في كتابه (دراسة في الذهن البشري)، بموازاة ذلك رجحت كفّة التخلّي عن تعاليم الدين والدعوة إلى عدم إعتبار الوحي مصدرًا للمعرفة، انتقلت هذه العدوى إلى جميع أنحاء العالم، فظهرت نزعات فِكريّة تدعو إلى الإلحاد.
في قِراءته المُعاصِرة للمصحف تطرّق المفكِّر الإسلامي محمد شحرور -رحمه الله- لهذه الإشكالية حيث قال: الله سبحانه وتعالى علّم آدم أسماء جميع الأشياء (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)ص، الذي عُرِضَ هنا هو الأشياء المُشخّصَة وليس الأسماء المجرّدة. ثمّ يُضيف: لقد وجدت في المصحف نظرية معرفة متكاملة مع أدواتها، قال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)ص، المقصود بالقلم هنا ليس أداة الكِتابة، بل التقليم الذي يعني التمييز بين الأشياء بمعرفة خصائصها، فالأشياء (الجمادات، العناصر، الأحياء) بشكل عام تختلِف عن بعضها بالشكل واللون والخصائص الحيوية والفيزيائية والكيميائية، وقد تشترك ببعض الخصائص فَتُصنّف على أساسها. ويأتي بمثال على ذلك قلم إدارة المرور، حيث يحتوي على معلومات مفصلّة عن كل مركبة من المركبات المسجلة لديها على حِده، نوعها (حافِلة، شاحنة، قلاب، تكسي،.. إلخ)، رقمها، مواصفاتها ( الشركة الصانعة، اللون، الحمولة، استطاعة المحرك، السرعة القصوى،... إلخ).
إذا كانت المعرفة بهذه الأهمية فكيف السبيل إليها؟ لا شكّ أنّ الانتقال من مرحلة استهلاك وتداول المعرفة إلى مرحلة الإنتاج ليس بالسهولة التي نتصوّرها، بل لا بدّ قبل كل شيء من بِناء الإنسان وتهيئته لإنتاج المعرفة، ثمّ بِناء المِنصّات المنتجة لها والتي تتمثّل في مراكز البحوث العلمية والدراسات السياسية الاستراتيجية.