زهرة اللوتس
صالح محمود
عباركان شاباً طائشاً مليئاً بالقوة ، مفتول العضلات و أرعن بالوقت نفسه ، يقود دراجة نارية من هونداي يجول فيها شوارع وأزقة حي المزة القديم .وفي لحظات الغضب كان يسدُّ الطريق على السيارات بدراجته، ويصنع حاجزاّ في وسط الشارع لوحده ، قاطعاً الطريق على السيارات المارة لفترة قد تدوم حتى تهدأ ثائرته بفعل توسلات المارة وأصحاب السيارات،
.عبّار كان رمزاً للفتوة والأذى في الحي الشمالي ،لم يترك احداً من شرّهِ ولم يترك احداً إلاعنّفه وأساء إليه ، وفي الاوقات التي كان عبّار يتجول في أزقة وشوارع الحي القديم كان أغلب الناس وخاصة الشباب يتجنبونه ويتحاشونه خشية الأذى ،وكانت حياته وأيامه مليئة بالمشكلات ،وكلما شاهدت جمهرة من الناس متجمعين في مكان ما ،فاعلم إن عبّار في وسط الحشد، ،عبار من المستحيل ان تفوته مشكلة ،وهو يجد سعادته في المشكلات .كانت له شقيقة واحدةاسمها سعاد كان يودّهاويقدّرها ويتباهى بها،وكان مستعداً أن يضحي بنفسه من أجلها ،
وسعاد رغم صيت شقيقها السيءكانت تكّن له الكثير من المحبة والود ، لقد كان عبّار شقيقها الوحيد !! عبّار كان يملك من المهارة والقدرة لأن يقود الدراجة على عجلة واحدة وقد فعلها مراتٍ عديدة ، وكان يقود الدراجة كأنه يقود فرساً،ويبدو للعيان بأنه هو ودراجته جسم واحد .لم يكن عبّار الوحيد الذي سلك طريق الشقاوة والفتوة في الحي القديم بل كان غيره كثيرون ولكنه انتصر عليهم جميعاً حتى أصبح أقواهم على الإطلاق ،وعندما كان طفلاً صغيراً لم يدخل مدرسةً قط ، أو حتى داراً للكُتّاب ،مدرسته الوحيدة كانت أزقة وشوارع الحي القديم وتفوق على أقرانه عندما أصبح أقواهم .
في يوم ما قررت سعاد أن تزور إحدى صديقاتها في الحي المجاور وبعد أن تجهّزت وهمّت بالخروج شاءت المصادفة أن يكون شقيقها الوحيد واقفاً مع دراجته أمام باب الدار ،وعرض على سعاد أن يوصلها إلى المكان المراد بدراجته ،وافقت سعاد على مضض ،وبعد لحظة تردد، عقل عبّار لم يحتمل هذه الفرحة ،لقد سُرّ كثيراً بقبول سعاد لطلبه ، سعاد العزيزة الغالية تقبل عرضه ،لم يصدق عبّار أذنيه ،سعاد كانت على درجة كبيرة من الجمال واللطف،و كانت عكس شقيقها تماماً لينة،مهذبة ،خجولة وبيضاء وردية كزهرة اللوتس لم يكن يعيبها إلا شيء واحد وهي إنها شقيقة عبّار الشقي الأزعر ،ركبت سعاد خلف شقيقها على الدراجة النارية بعد تردد دام لحظات ،انطلق عبّار بدراجته كالسهم، كأنّ جنياّ قد مسّه هو والدراجة معاّ ،لقد اصابته نوبة جنون غريبة ،إنها المرة الأولى التي تركب فيها سعاد معه و من شدة وعظمة فرحته لم تسعه الدنيا ،لقد أراد أن يظهر لسعاد انه سائق وفارس ماهر لايشق له غبار ،وعليها ان تثق به مهما بلغت سرعة الدراجة فمن المستحيل ان يفقد السيطرة عليها هذا من جهة ومن جهة اخرى أراد أن يتباهى أمام الناس بشقيقته ولسان حاله يقول :- هذا أنا الفارس المغوار وهذه الاميرة الجميلة هي شقيقتي،هذا ما كان يدور في رأسه وبعد مناورة خاطفة وصل إلى الشارع العام للحي القديم حيث كان مسرحاً يستعرض فيه قوته وفتوته و يسدّه في بعض الأحيان بدراجته،ولقد ذاع صيته في ذاك الحي وأصبح مشهوراّ جداً ، حيث كانت عيون المارة ترسل نظرات الدهشة إلى عبّار وشقيقته سعاد ،وهذه النظرات كانت تزيد من سرعة دراجته وتحرّضه على ان يستخدم كل فنون ومهارات القيادة التي اكتسبها خلال سنوات الفتوة الماضية ،هذا كان ما يدور في رأس عبّار أما القدر فكان له ترتيب آخر مغاير تماماً ،وترتيب القدر هو الذي يعلو وهو الذي يمشي في النهاية ،قبل أن يصل عبّار إلى نهاية الشارع أصاب دراجته شيء غريب كأن بها مسٌّ من جنون ، وارتفعت عن الأرض أمتاراً ومالت إلى اليسار حيث كانت تمر شاحنة كبيرة ،وارتطم هو وسعاد والدراجة بالشاحنة بعد أن فقد السيطرة عليها وتطاير الجميع، الدراجة وسعاد وشقيقها،فيلم هوليوود حقيقةً ،تهشمت الدراجة بعد ان وقعت تحت عجلات الشاحنة الثقيلة وتهشمت سعادوتكسرت وبعد لحظات لفظت انفاسها الاخيرة من قوة الارتطام وفارقت الحياة ، وماتت سعاد على الفور فرأسها لم يحتمل قوة الارتطام بالشاحنة الصلبة ونزفت بشدة، واصابت عبّار هستيريا مباغتة بعد أن رأى موت سعاد ،سعاد كلها تموت ،لم يحتمل قلبه فراقها ، هو تسبب بمقتل أعز انسانة في الوجود كله، ماتت سعاد ودُفنت واختفت معها كل صفات الرعونة التي كانت تتسم بها شخصية عبّار ،وبعد رحيل سعاد تحول عبار إلى إنسان آخر تماماً ومغاير تماماً عما سبق لقد أصبح إنساناً غريباً حتى عن نفسه وغريباً عن الناس في اللحظة نفسها ،لقد نكص عبّار وتحول الى شخص شبه معتوه لقد تحول الى شخص ساذج ،لدرجة أصبح الناس يعطفون عليه بدل أن يخافوه،لقد غلب عبّار كل اقرانه في الحي القديم وهزمهم ولكّنه هُزم أمام القدر ،فبضربة واحدة من القدر اصبح عبّار في خبر كان ولم يكن ليستسلم امام أحد ولكّنه ركع أمام القدر،عبّار اصبح يردد كثيراً كلمة الله ! الله ! وأصبح عبّار شخصاً يرتاد المساجد ولا يفارقها ،شعور الذنب أصبح مرافقاً له أينما ذهب وأصبح وعيه كوعي الأطفال السذج ،وكلما رأى دراجة نارية مسرعة تمر من الحي القديم ،لا يلبث أن يترحم على سعاد قائلاً: الله يرحمك ياسعاد ،لقد أبت ذاكرته أن تنسى سعاد و لم تغادرها قطّ،وكلما مرت دراجة نارية قفز شبح سعاد إلى ذاكرته ،أولئك الزعران أصحاب الدراجات النارية يصلون إلى مصائر غير حميدة، أن تتحول من شخص يخافك ويهابك الناس إلى شخص تخاف الناس وتهابهم وتستعطفهم ،إنه حقاً منحىً خطير .