في مرتكزات الفوضى الهدّامة - الخلّاقة وأدواتها في منطقتنا
شاهين أحمد
الفوضى الخلاقة، مصطلح سياسي - عقائدي قديم، تم استحضاره من قبل وزيرة الخارجية الأمريكية كوندو ليزا رايس عام 2005 خلال حديث مع جريدة «واشنطن بوست» الأمريكية عقب عملية تحرير العراق من قبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من نظام البعث الصدامي.
والغاية من نشر تلك الفوضى ليس مجرّد إسقاط القوى الحاكمة والضابطة للأمن في الحقول التي تقع داخل مساحات هذا المشروع فحسب، بل هي عملية مخططة مجدولة زمنياً، نتيجتها تحقيق التغيير وتكوين منظومات حكم جديدة ومختلفة عن القائمة، وتشمل عملية التغيير الأشخاص ومرتكزات الحكم وبما يتلاءم مع كل مرحلة ووفق مصالح المتحكّمين بمصير العالم .
والفوضى الهدامة - الخلاقة هي وسيلة وليست غاية، هي أداة للهدم ومن ثم البحث وسط تلك الأنقاض عن السبل الكفيلة بـ صياغة أسس ومقومات إقامة منظومات حكم جديدة ومختلفة.
ومن الطبيعي هنا أن نجد انقسامات عمودية وأفقية في المجتمعات التي تشملها مشاريع الفوضى بما تحتوي من مراكز القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية ...إلخ. ومن الطبيعي أن تجد كل من كان مستفيداً من المنظومة القديمة أو مشاركاً فيها يقف بالضد من هذا المشروع، وبالمقابل أن كلّ متضرّر من المنظومة القديمة سوف ينخرط في عملية تعميم الفوضى وتوسيع دائرتها. وأنصار المنظومة القديمة سوف يلجؤون إلى إطلاق تهم الخيانة والإرهاب والتعامل مع الأجنبي وإلصاق مختلف الاتهامات والنعوت لكل من يساند تدمير المنظومات القديمة.
بدون أدنى شك أن الخوض في هذا الموضوع الخطير، وأسباب اعتماده من قبل صُنّاع القرار في الإدارات الأمريكية المتعاقبة للحزبين الجمهوري والديمقراطي على حدٍ سواء، وبالتالي المساحات التي ستشملها هذه الاستراتيجية، يستدعي الكثير من الجهد والوقت وقد لاتكون من أولويات القراء الأكارم في منطقتنا، نظراً للأوضاع المزرية التي خلفتها الحروب والأزمات التي تجتاح المنطقة. ولكن بالمقابل من الضرورة بمكان هنا إثارة هذا الموضوع في أوساط المهتمين وأصحاب الأقلام وسياسيي شعوب منطقتنا المنكوبة التي تلتهمها نيران الصراعات المدمّرة في إطار الفوضى المذكورة التي تعتمد على مرتكزات موجودة في مفاصل مجتمعاتنا.
بمعنى أدق أن نحاول دفع نخبنا المثقفة إلى البحث عن المساحات التي ستشملها الفوضى في منطقتنا. علماً أن مايجري في غالبية بلدان الشرق الأوسط من حروب وصراعات تخدم هذه الاستراتيجية، كون منطقتنا تمتلك من المرتكزات التي يمكن لهذا النوع من الفوضى أن يتغذّى عليها نتيجة وجود قضايا قومية ودينية ومذهبية لشعوب وطوائف ومكونات مختلفة لم تعمل أنظمة الحكم - التي سلمت لها المنطقة عقب خروج الاستعمار منها عسكرياً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية - على إيجاد حلول سياسية واقعية لها، مما جعلتها تربة خصبة لنشوء صرعات واندلاع حروب في اللحظة التي تريدها القوى العالمية الكبرى.
والفوضى الخلاقة عبارة جزء من الاستراتيجية الأمريكية للمناطق المرشّحة لتغيير منظومات الحكم فيها، أو تعديل بعض مواصفاتها وتغيير سلوكها، أو حتى بعض الخرائط التي ترى الولايات المتحدة وحلفائها بأنها لم تعد تفي بالغرض بالشكل المطلوب.
لكن المفارقة المحزنة أن ترى البعض المتصدّر للمشهد السياسي الحاكم أو المعارض، وبعد كل ماجرى ويجري في منطقتنا المنكوبة من حروب وصراعات ودمار مازال يحلل، ويُنظّر سواءً في الغرف المغلقة أمام أنصاره، أو حتى على المنابر المفتوحة للفضائيات والمواقع الالكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي المختلفة، ويكرر نفس الخطاب الخشبي الذي يعود إلى حقبة الحرب الباردة دون أن يسأل نفسه عمّن تسبب؟ وكيف؟ في خلق هذه المناخات التي حولت بلداننا إلى ركام، وبيئات طاردة لسكانها الأصليين! وكأن الذي يجرى عبارة عن عاصفة عشوائية عابرة ستنتهي غداً!. وسبب هذا التسطيح في تفسير مايجري هو أننا نفتقد إلى مراكز دراسات سياسية - استراتيجية لتأطير وتنظيم العلماء والمفكرين والاقتصاديين ومن مختلف الاختصاصات لبيان مايجري وفق دراسات علمية واقعية تشخص الحالة وتبين أسبابها وأهدافها، وتقترح حلول أو تحدد خيارات وتضعها أمام من يعمل في حقول القرار السياسي لمعرفة مسارات ووجهات التحرك للإقلال من الخسائر على ضوء تلك الدراسات، ويضاف إلى ذلك (أي افتقارنا لمراكز دراسات)، أن هناك شريحة لابأس بها من المتصدّرين للمشهد السياسي يعانون من ظاهرة الأمية في الثقافة السياسية. لذلك نلاحظ أن الغالبية الساحقة من هؤلاء (المتصدرين للحراك الحزبي - السياسي) لايدركون مايجري حولهم، وبالتالي ماينتظر مستقبلهم ومستقبل شعوبهم من أحداث ومآلات.
الغرض من هذه المقدّمة التي قد تزعج البعض الذي لا يفهم، ولا يريد أن تتغيير أو تتحرك المياه الراكدة، ومحاولة التعريف بـ مرتكزات المشروع الجاري تنفيذه في المنطقة من خلال تلمُّس الآليات والمحركات الاجتماعية التي تتم اعتمادها في المشروع، وبالتالي إدراك المساحات والمفاصل المستهدفة من المشروع كي تتمكن النخب المكلفة بالقرار السياسي من تحديد موقع شعوبها سواءً بالمشاركة أو الوقوف في وجه مايجري أو النأي بالنفس والوقوف على الرصيف، بمعنى آخر اختيار الحقل الذي إن لم تستطع أن تحصل مكاسب فيه، على الأقل أن تقلل من الخسائر.
وجدير ذكره هنا أن أيّ هجمة أو مشروع خارجي لا يمكن أن يجد مساحة قبول لتطبيقه إلا من خلال حوامل أو مرتكزات تتمثل في المتعاملين مع أصحاب هذا المشروع، أي الأدوات المحلية التي تتم اعتمادها في سياق تنفيذه. وهنا يبرز سؤال: كيف، وماهي الوسائل التي من خلالها يجب أن يتم وضع الشعب بصورة مايجري وتوجيهه؟ أخطر أنواع الأدوات هم الذين يتلوّنون، ويمتلكون القدرة على المناورة وتحويل قطاعات واسعة من الجماهير إلى مايشبه القطيع تماماً.
ومن بين العوامل الضرورية لاستمرارية الفوضى عدم ترك المجال لحلول سياسية واقعية مستدامة أوحتى تسويات من شأنها محاصرة أو فرملة عجلة الفوضى، على سبيل المثال لا الحصر: العملية السياسية المتعثرة من خلال مفاوضات جنيف بين النظام والمعارضة السورية، وكذلك اللجنة الدستورية، والحوار الكوردي - الكوردي. لذلك نلاحظ أن أصحاب مشروع الفوضى يُشخّصون الحقول التي سيتم فيها تطبيق المشروع للتعرف على المرتكزات التي سيتم اعتمادها كـ حوامل، ويبحثون دائماً عن الأدوات والعناصر اللازمة لزيادة التعقيد والتشابك وبالتالي دوام الأزمات واستمرارية الفوضى وصولاً إلى تأمين المناخات التي تناسب المشروع، وإيصال المكونات إلى قناعة تامة بضرورة التغيير وهدم القديم وبناء الجديد وقبوله. وحتى تأتي الفوضى أُكُلها يجب تأمين مقومات دوامها وتوسيع رقعتها وزيادة عدد المتورطين في حقولها. وهذا ماحصل تماماً في سوريا نتيجة دخول مختلف أنواع المتطرفين، والميليشيات المعولمة بالإضافة إلى الدول الاقليمية التي تتدخل ليس فقط من أجل تقديم الدعم لميليشياتها أو المتحالفين معها أو المتخندقين في خنادقها الطائفية فحسب، بل من أجل تشكيل حواجز لمنع انتقال تلك النيران إلى داخل بلدانها.
مرتكزات الفوضى الهدامة - الخلاقة وأدواتها في منطقة الشرق الأوسط
من الأهمية هنا الإشارة إلا أن ما سوف يتم ذكرها من مرتكزات أو ثغرات - هي في حقيقتها عبارة عن قضايا وطنية – لا تعني أبداً بأن أصحابها يشكّلون السبب في جلب تلك الفوضى إلى ديارنا، وإنما البحث عن الأسباب، وتحديد الجهات التي تتحمل مسؤولية التهرُّب من إيجاد حلول سياسية واقعية لتلك القضايا العادلة التي كان من المفترض أن تحظى بكامل اهتمام الأنظمة الحاكمة والأحزاب المعارضة من منطلق وطني أولاً، وكاستحقاق قانوني وسياسي وأخلاقي ثانياً، ولسدّ الثغرات أمام القوى التي تريد التدخُّل في شؤون المنطقة ثالثاً، وتجسيد مفردات الشراكة والتوافق والتعايش الحر رابعاً، والتفرُّغ للتنمية بمختلف مجالاتها خامساً.
لذلك عندما نشير إلى مرتكزات الفوضى فإننا نحمّل منظومات الحكم أو كيانات خرائط سايكس - بيكو المسؤولية الكاملة عن كل مالحق ببلداننا وشعوبنا من قتل و دمار، وفشلها في إقامة أنظمة حكم وطنية معبرة عن طموحات شعوبنا بمختلف مكوناتها دون إقصاء أو تمييز، وإحجامها عن وضع أسس حقيقية لدولة المواطنة لمكونات شعوب تلك الدول التي فرضت حدودها الإدارية - السياسية رغماً عن إرادة شعوبها، وليس من منطلق تحميل أصحاب القضايا العادلة مسؤولية التدخلات الأجنبية.
وهنا لابدّ من ذكر بعض تلك المرتكزات - القضايا التي تحوّلت إلى ثغرات - التي يعتمد عليها مشروع الفوضى المذكور ومنها: الصراعات الدينية (الإسلام - المسيحية - اليهودية - الإيزدية...إلخ )، وكذلك المذهبية (بين المذاهب المسيحية المختلفة الشرقية والغربية، وكذلك بين السنة والشيعة بطوائفها المختلفة)، والقضايا القومية (قضية الشعب الكوردي في كافة أجزاء كوردستان، وقضية الشعب الفلسطيني والشعب الأمازيغي ...إلخ.)، وكذلك الصراع الايديولوجي بين التوجهات العلمانية المختلفة من جهة، والتوجهات الدينية المتعددة وفي مقدمتها الأسلمة السياسية من جهة أخرى، والأنظمة القوموية الشوفينية، وكذلك الصراع على الممرات المائية الهامة، ومصادر الطاقة وخاصة النفط والغاز.
وتعتمد الفوضى على أدوات فاعلة لخلقها ونشرها وتوسيع دوائرها، وإطالة أمدها حتى الوصول إلى خلق بيئة مناسبة لتطبيق المشروع. ومن هذه الأدوات التي تستخدمها أصحاب مشروع الفوضى في منطقتنا: الأنظمة المارقة، والدول الراعية للإرهاب، والتنظيمات العابرة للحدود مثل حزب العمال الكوردستاني التركي، والمنظمات الراديكالية الإرهابية المعولمة مثل فروع القاعدة ومسمياتها المختلفة كـ داعش وجبهة النصرة وفراخهما المتلونة بطلاء وطني، والميليشيات الشيعية المتنوعة مثل الحشد الشعبي العراقي و«فاطميون وزينبيون وحزب الله اللبناني» ...إلخ .
خلاصة القول
بدأت الفوضى بإحداث خلخلة في الاستقرار النسبي الذي كان قائماً في دول المنطقة بواسطة الأجهزة الأمنية والعسكرية لمنظومات الحكم القائمة، وذلك من خلال استقدام ثنائيات متحاربة - متنافسة كما حصل لبلدنا سوريا، مثلاً إيران وتركيا دولتان متنافستان تاريخياً في هذه المنطقة، وتركيا و pkk هناك صراع دامي بينهما منذ قرابة أربعة عقود، والميليشيات الشيعية المختلفة مقابل داعش والنصرة ومختلف المسميات الأخرى لفروع تنظيم القاعدة ...إلخ المحسوبة على الطائفة السنية، وإذكاء الصراع بين تلك الثنائيات المتحاربة التي تم جلبها، وتقديم الدعم للجانب الذي يصيبه الضعف أياً كان ومدّه بمقومات استمرارية الصراع لإطالة عمر الأزمات وتوسيع دائرتها، وإشاعة الفوضى المربكة والمقلقة، وتوجيه وإدارة الفوضى للوصول إلى الوضع المرغوب وحسب المرسوم.
وبالرغم من كل ماحدث، ومساحات النيران المشتعلة مازالت تتوسع، وأعداد الضحايا مازالت في ازدياد، والحواضر المتبقية تدمر وتتحول إلى أطلال، ومن تبقّى من الشعب الذي بقي على الأرض أصبحت أمنيته الوحيده الخروج من المحرقة إلى حيث الهجرة نحو المجهول.
بالرغم من كل ذلك مازالت بقايا كيانات سايكس - بيكو تردد، وتكرر نفس الشعارات الجوفاء، وتحاول القفز على تلك المقابر التي تحتوي أجساد مئات الآلاف من خيرة أبناء شعوبنا، وتلك الحواضر التي تم تحويلها إلى أنقاض فوق رؤوس ساكنيها، وكذلك تشاركها المرض نفسه شريحة المحسوبين على الطبقة السياسية المعارضة التي لم تختلف عن تلك الأنظمة في كل مايتعلق بـ بالمبادئ السياسية الأساسية مثل شكل تلك الكيانات المصطنعة، وطبيعة أنظمتها، ووجود وحقوق مكونات شعوبها، والعلاقة بين الدين والدولة ... إلخ . بكل أسف يبدو أن قدر شعوب منطقتنا أن تعيش عقوداً أخرى من الألم والإقصاء والعنف والصراع .
بقي أن نقول إن مكاسب الفوضى، وكذلك خسائرها ليست حكراً على طرفٍ دون غيره، حيث القوي له مكاسب تتناسب مع دوره وتأثيره ووزنه، وخسائره هي الأقل. بينما الضعيف يكون مكاسبه بقدر ضعفه ولكن حصته من الخسائر تكون الأكبر. ويبقى هنا سؤال مهم يطرح نفسه على كل من يهمه مصير المنطقة ومستقبلها وأدوات الفوضى فيها وهو:
هل انتهى دور نظام الملالي الإيراني كأحد أخطر الأدوات التي يتم استخدامه في مشروع الفوضى وابتزاز الخليج، أم أنه مازال من المبكر الحكم على مايجري؟