خِمار المرأة (الحِجاب)
محمد رجب رشيد
المرأة كَإنسانة مِثلُها مِثل الرجل، باستثناء بعض الفوارِق البيولوجية للحفاظ على النوع واستمراره، لا شكّ أنّ للمرأة جاذبيتها وسِحرها بِقدر أخلاقِها وجمالِها، ولكنّها بالتأكيد ليست فِتنة كما يعتقد الجُهلاء وكما ورد في كُتب التراث.
الفِتنة إنْ وُجِدت تكون في نفوس أولئك الجُهلاء من أشباه الرجال، وليست في المرأة. لقد وردت كلمة الفِتنة في عِدّة مواضع من المصحف، لم تترافق مع المرأة في أي موضع منه، مِمّا يعني أنّ الفقهاء هم من ألصقوا هذه التهمة بالمرأة دون وجه حق.
مُحدِّدات اللِباس بشكل عام ليست ثابتة، بل تتغيّر مع تغيُّر الزمان والمكان، وتخضع لعِدّة عوامل كَالبيئة والطقس والعُرف -ما تعارف عليه الناس- والمستوى الاجتماعي، بالطبع هذه العوامل ليست واحدة في جميع أنحاء العالم، تتغيِّر من مكان إلى آخر. مِمّا يمكننا الجَزم بأنّ عوامل البيئة الصحراوية والطقس الحار والجاف لِشبه الجزيرة العربية هي التي فرضت خِمار المرأة منذ ما قبل الإسلام، وذلك للحماية من شِدّة حرارة الشمس والعواصف الرملية، أو التقليل من أضرارهما قدر الإمكان، خاصّةً والرجال هناك كانوا ومازالوا يخمرون رؤوسهم إلى الآن.
اتفق حاخامات اليهود القُدماء على فريضة تغطية المرأة لِشَعرها، إلّا أنّهم اختلفوا في التفاصيل، ومازال النقاش قائمًا حولها إلى يومنا هذا.
لدى النصارى لِباس المرأة -بما فيه الخِمار- وعلاقته بالتقوى والأخلاق، مازال جزءًا من التعاليم المسيحية التي فرضتها الكَهَنَة ورؤساء الكنائس على مرِّ القرون. أمّا لدى المسلمين فالقضية خِلافية كبيرة، أكبر من حجمها الطبيعي ومثيرة للجدل في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
مجرّد أن تكون قضية ما خِلافية، أو مفروضة من قِبَل الحاخامات أو الفقهاء أو الكهنة أو رؤساء الكنائس، تكفي للدلالة على أنّها ليست فريضة من الله سبحانه وتعالى. بالفعل الخمِار ليس من بين الفرائض -المفصّلة والمحدّدة بِدِقّة- الوارِدة في المصحف والمُقترِنة بالوَعيد لمن لا يلتزم بها، مثلًا حد الزِّنا مائة جَلدة (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)ص، لا يجوز الزيادة عليها أو الإنقاص منها أو إستبدالها بعقوبة أخرى. كذلك الأمر بالنسبة للميراث فقد جاء مفصلًّا من حيث الحُصص ومستحقّيه، ومُقترِنًا بالآية (فريضة من الله)ص. أمّا لباس المرأة فلم يُحدّد بِدِقّة الفرائض، فقط جاء مشروطًا بعدم تعرُّضِ المرأة للأذى عندما تخرج من بيتها، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ)ص، وأمرها بستر جِيب (فتحة) صدرها بخِمار رأسها، لأنّها كانت مكشوفة لعدم وجود ألبسة داخلية حينها، مِمّا يعني أنّ الخِمار كان موجودًا بالأصل ولم يأتِ كَفريضة من الله (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ)ص. رغم ذلك فالمرأة المسلمة يحِقُّ لها ستر شعرها (الخِمار) بل وكامل جسمها (النِقاب) إنْ أرادت ذلك دون إكراه.
لقد أضفتْ بعض الدول الإسلامية على الخِمار بعداً سياسيًا وعقائديًا، فحظرته أو قيّدته في المؤسسات الحكومية العامة كالجامعات والمدارس والدوائر، .. إلخ، مثل تونس في عهد بورقيبة وخَلَفُه بن علي، وتركيا في عهد أتاتورك وإلى وقتٍ قريب. وعلى النقيض من ذلك نجد دول إسلامية أخرى كالسعودية، وأفغانستان في عهد طالبان (سابِقًا، حاليًّا)، وإيران بعد سقوط الشاه، تفرض على المرأة إرتداء الحِجاب، والعِقاب في حال عدم الإلتزام به، بدءًا من الإهانة والضرب والسجن وصولاً إلى القتل كما حصل مؤخراً، حيث قتلت الشرطة الإيرانية الفتاة مهسى أميني لخروجها إلى الشارع دون تغطية شعرها بالكامل.
أمّا الفقهاء فقد ذهب بعضهم إلى اختصار الدين في لباس المرأة بعيدًا عن القيم والأخلاق والشعائر، وأضفوا على الخِمار بُعدًا أخلاقيًا وآخر دينيًا، معتبربن المرأة المحجّبة أكثر عِفّةً وإيماناً وأخلاقًا، والسافِرة آثِمة تعرض مفاتِنها للتحرُّش بها.
في سبعينيات القرن الماضي وصف علماء الأزهر زيادة عدد المحجّبات في مصر بالصحوة الإسلامية، وتجاهلوا في الوقت نفسه حُرمان الأنثى من الميراث، أكل مال اليتيم، إرتفاع معدّلات الفقر والبطالة والجريمة، إنتشار السرِقة والرشوة َوالفساد والمحسوبيات وكأنّها ليست من الدين.
لعل المُفِكِّر الإسلامي محمد شحرور -رحمه الله- هو خير من تصدّى لقضية لباس المرأة وخِمارها حيث قال: الحِجاب لزوم ما لا يلزم، بمعنى أنّها خاضِعة للعُرف والتقاليد والطقس بعيدًا عن الشرع، في المصحف جاء بمعنيين حِجاب معرفي (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا)ص، وحِجاب رؤية (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)ص، ولم يأتِ مقترِنًا بتغطية شعر المرأة في أي موضع. هذه من ناحية ومن ناحية أخرى فإنّ عَورُة الأَمَة المُؤمِنة في صدر الإسلام لم تكن كَعَورُة الحُرة المؤمِنة، بل كانت كَعَورُة الرجل من الصُرَّة إلى الرُكبة، حيث كانت تصلي وهي مكشوفة الصدر، ألا يعني هذا أنّ الخِمار ليست فريضة من الله؟ وإلّا لما اختلف لباس الأَمَة عن لباس الحُرّة بإعتبارها مُؤمِنة مثلها مثل الحُرة. ثم يضيف: لقد أخذ الفقهاء لباس المرأة العربية في القرن السابع نموذج قياسي فرضوه على جميع مسلمي العالم كَجزء من الشريعة دون الأخذ بعين الاعتبار المحدِّدات المذكورة سابقاً.
قال تعالى: (لا إكْراهَ في الدِّين)ص،
الإكراه يتعارض مع مبدأ حرية الإيمان في الدنيا وقواعِد الحِساب في الآخرة، إذا كان الله تعالى لم يُكرِه الناس على الإيمان به واليوم الآخر وإقامة الشعائر، فكيف سيُكرِه المرأة على الخِمار؟ إنّ عدم إحترام حرية المرأة في إختيار ما تناسبها من اللِباس بحيث لا يخدُش الذوق العام للمجتمع أدّى في نهاية المطاف إلى تطرُّف ذو اتجاهين متعاكسين، تجاهل كِلاهما -المانِع والفارِض- المنهج السَوي في قبول أو رفض الخِمار بالعودة إلى كتاب الله، وبالتالي تساوى الطرفان في الانتقاص من حقوق المرأة.