ماذا بعد هزيمة برهم صالح؟
أحمد مصطفى
إن تنصيب الدكتور عبد اللطيف رشيد رئيساً للعراق قد يغيّر المشهد السياسي في العراق عموماً وفي كوردستان خصوصًا.
فقد كان معضلة برهم صالح يشكل عائقاً أمام وحدة البيت الكوردي، فالرجل كما هو معروف عنه مستعد ليفعل أي شيء في سبيل البقاء في السلطة.
منذ الانتخابات العراقية السابقة عام 2018 وهو يسعى لاستغلال كلّ الظروف للوصول إلى السلطة، وبعد انتهاء ولاية فؤاد معصوم، وشعر أن المنصب سيؤول إلى غيره هدّد حزبه الاتحاد الوطني بالانشقاق إذا لم يعينوه رئيساً للعراق، وبالفعل أسس حزباً جديداً، وعلى غرار «حركة التغيير» التي أسسها نوشيروان مصطفى، فاضطر الاتحاد الوطني إلى الرضوخ لبرهم بغية إعادته إلى صفوفه، وكان الثمن هو ترشيحه رئيسًا للعراق.
وكان هذا الترشيح يمثل ضربة لوحدة البيت الكوردي بعدما غرّد الاتحاد خارج السرب الكوردي، ولجأ إلى الأحزاب الشيعية وتم فرض برهم صالح على الكورد رغم رفض الشارع الكوردي.
وسبب رفض الكورد لتولّي برهم صالح الرئاسة يتلخص في نقطتين رئيسيتين:
الأولى: تتعلق بموقفه من الاستفتاء في كوردستان، فبعد كل الضغوط التي تعرّض لها الكورد من الدول الإقليمية ومن الداخل العراقي وتواطؤ أطراف كوردية عديدة في احتلال عصابات الحشد الشعبي بقيادة قاسم سليماني للمناطق الكوردية الخارجة عن سيطرة حكومة كوردستان، انقلب برهم على الإرادة الكوردستانية، ودعا إلى إسقاط حكومة كوردستان وتشكيل حكومة طوارئ، بدلًا من الوقوف مع الكورد في مواجهة هذا الاعتداء.
المسألة الثانية: هي أنه لم يتخذ أي موقف من كل ما تعرّض له الكورد من جرائم الميليشيات سواءً في كركوك والموصل وشنكال أو من الهجمات الصاروخية المتكررة على كوردستان، بل على العكس من ذلك انحاز بشكل مريب لأعداء كوردستان.
لكن كوردستان وتحديدً الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة الرئيس مسعود بارزاني، استطاع امتصاص الصدمات المتكررة، وحوّلت تلك الصراعات إلى عنصر قوة، وظهرت كحامي لمشروع استقلال كوردستان، وتجلّى ذلك في الانتخابات العراقية وانتخابات كوردستان، فقد كان الحزب الأول الذي يحصل على أكبر عدد من المقاعد الكوردية.
على العكس من الاتحاد الوطني الذي دخل في صراعات مريرة سواءً بين ما يمكن أن نسميهم (بصقور الاتحاد) أو داخل العائلة الطالبانية الحاكمة والصراع الذي حدث بين بافل طالباني ولاهور شيخ جنكي، بالإضافة إلى موقفه المتخاذل من وحدة البيت الكوردي، كل هذا أدّى إلى تراجع شعبيته في كوردستان.
رغم ذلك لم يشأ الحزب الديمقراطي الكوردستاني الاستفراد بالسلطة كاستحقاق انتخابي بل اشركت جميع الأطراف الكوردية في حكومة كوردستان.
وفيما يتعلّق بالانتخابات العراقية وقف الاتحاد أيضاً بشكل سلبي ضد ترشيح السيد هوشيار زيباري القيادي البارز في البارتي الكوردستاني، وأصرّ على برهم صالح، مما دفع بالديمقراطي إلى تقديم ريبر أحمد بديلاً.
والخشية على وحدة البيت الكوردي اتفق الديمقراطي مع الاتحاد على أن تكون رئاسة الجمهورية العراقية من حصة الاتحاد شريطة ألا يكون برهم صالح السيّئ الصيت رئيساً للعراق.
لكن الاتحاد أيضاً انقلب على الاتفاق الكوردي، و قرّر في اللحظات الأخيرة التمسُّك ببرهم صالح؛ مما جعل البرلمان العراقي هو الذي يقرّر في نهاية المطاف ترشيح عبد اللطيف رشيد رئيسا للجمهورية.
ولكن لماذا يصر الاتحاد على التمسك ببرهم صالح؟
إن السبب يكمن في خشية الاتحاد من عودة برهم إلى السليمانية وعودة الصراع على السلطة، ولا سيما بعد الخلل والاهزازات القوية التي تعرّض لها الاتحاد وإبعاد لاهور شيخ جنكي، فالاتحاد اليوم في صراع بين رجلين يعشقان السلطة هما برهم وبافل.
وهناك الحرس الاتحادي القديم بالإضافة إلى جمهور الاتحاد الذين ملوا من هذا الصراعات التي قد تعود مجددا إلى السطح.
وما يفسر تراجُع الاتحاد عن تسمية المرشح المتفق عليه مع الديمقراطي الكوردستاني هو عدم إغضاب برهم، وإظهار المسألة بأنها قد خرجت من أيديهم وأن الديمقراطي هو من أزاحه.
لكن كل هذا لن يغيّر من الواقع شيئاً وهو أن الدكتور عبد اللطيف رشيد أصبح رئيساً للجمهورية، وأن كلمة الشارع الكوردي أقوى من المصالح الحزبية للاتحاد، والرئيس الجديد اليوم أمام مسؤولياته القومية، كقانون 140 و رواتب و حصة كوردستان من الميزانية وكذلك قانون النفط والغاز وغيرها من المسائل العالقة، فإما سيكون مصيره مصير برهم إذا ما تنصل من أداء دوره كمرشح كوردستاني، أو سيمضي قدُمًا لتحقيق المكتسبات الكوردية ووحدة البيت الكوردستاني وهو ما نرجّحه.