آه يا قمر الشمال!!

آه يا قمر الشمال!!

علي مسلم

حتى الأمس القريب كانت المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في الشمال السوري تُدار نظرياً من قبل سلطتين، أو بعبارة أوضح كانت خاضعة لسلطة حكومتين، حكومة الإنقاذ بإدارة هيئة تحرير الشام التي يقودها محمد الجولاني في إدلب ومحيطها، والحكومة السورية المؤقتة بإدارة ائتلاف قوى المعارضة والثورة في مناطق شمال حلب.
وبحكم الوقائع على الأرض، وعبر عملية الولادة من الخاصرة والأطراف، أنجبت حكومة الائتلاف خلال فترة زمنية وجيزة أكثر من خمسين سلطةً وحكومةً، ولاسيما في منطقة عفرين درّة الشمال السوري، وتوزّعت سلطة الحكومة السورية المؤقتة إلى سلطات تديرُها فصائل مدججة بالسلاح والسطوة، وبات كلّ فصيل يسيطر على بقعة جغرافية محددة، بغضِّ النظر عن مساحات السيطرة وطبيعتها، فيكفي أن يكون هناك مجموعة من العناصر المنفلتة، وعلى رأسهم غول بشري يدير شؤونهم العامة والخاصة، والغريب في الأمر أن كل حكومة من هذه الحكومات المجهرية كانت تعمل بطريقة تختلف عن مثيلاتها، أما القاسم المشترك الذي كان يجمعهم، هو التوافق على الحصص والموارد، إلى جانب توزيع المظالم على المدنيين بالتّساوي وفق أنساق سياسية معينة؟
وقد ألقت هذه الحالة الفاسدة بظلالها المقيتة على الواقع، بحيث لم يتسنَّ للمدنيين أية فرصة للاستقرار في قراهم ومزارعهم، أو استعادة أنفاسهم ولو للحظة، بالرغم من المشروعية الدولية النسبية التي تمتعت بها هذه المناطق، على خلاف ما كان يجري في مناطق حكومة الجولاني الموسومة بالإرهاب.
ويوماً بعد يوم تفاقمت هذه الأزمة، وتسارعت وتيرة المشاكل، لتتحوّل الحياة في هذه المناطق إلى جحيم لا يطاق، وبات مصير المدنيين مرهوناً بأمزجة القادة، يختطفون ما يشاؤون، ويسكتون كلّ صوتٍ يغرّد خارج سربهم، كل هذا دون أن يحرّك الائتلاف ساكناً، بل على العكس كانوا يقدمون الثنايا لكلّ من يرتكب حماقة بين الفينة والأخرى، واذا كان العسكر لا يتحمّلون وِزْرَ ما يحصل، فإن المسؤولية الأخلاقية تقعُ على عاتق الائتلاف باعتباره الجهة السياسية الوحيدة المسؤولة عن كل شاردة وواردة تحصل في هذه المناطق، لكن الأمور لم تقف عند هذا الحد، وفي ظرف ساعات انقلب السحر على سحرة الائتلاف، وتحول الجولاني المتربّص إلى قرش كبير، وسرعان ما ابتلع الأخضر واليابس، بما في ذلك كل تلك الحكومات والسلطات دون أن يرتجف له جفن، ليعلن عن انتهاء مرحلة سياسية، وبداية مرحلة سياسية جديدة.
وقد صدّق من قال (لقد ابتلينا بقوم إن تشاجروا أفسدوا الزرع، وإن تصالحوا أكلوا المحصول) وللحديث بقية.