التفاهة
محمد رجب رشيد
إذا كان ظهور الأسلحة النارية فيما مضى قد ساوى بين الشجاع والجبان، فإنّ ظهور وسائل التواصل الاجتماعي لم يكتفِ بالمساواة بين الجاهِل والعالِم، بل جعل الجاهِل يتفوّق على العالِم ليس بالمحتوى الذي يقدِّمه، وإنّما بالمشاهدات والإعجابات والتفاعلات على كُل ما لا قيمة له.
فيما مضى كان الإعلام يصنع النجوم، ويساهم في التوعية عبر برامج هادِفة ترفع من سوية الذوق العام للمجتمع. أمّا الآن فإنّه يجعل مِن عديمي الموهِبة نجومًا خُلبيًة تعلو قليلاً ثم تختفي كفقاعة الهواء، في الوقت الذي لا يلتفت فيه إلى أصحاب المواهب والمبدعين والعلماء، ولا يعطيهم الأهمية التي يستحقّونها إلّا فيما ندِر، مِمّا يؤكّد أنّ التفاهة التي نشهدها حاليًّا صناعة إعلامية بامتياز، وإلّا كيف نفسِّر ظهور الفنانين في برنامج رامز جلال الذي ينفق الملايين على إعداده مع أنّه لا يحتوي على أي قيمة أو فائدة تُذكران، بل على العكس يُرسِّخ سادية الاستبداد لدى المشاهد، أمّا الفنان الضيف -ضحيّة المقلب- فلا مانع لديه أنْ يكون مادةً للسخرية طالما يقبض الثمن، أليس هذا قمة التفاهة؟ لا يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة لبرنامج المقالِب الذي يُعِدُّه ويُقدِّمه زياد سحتوت، أمّا برنامج «الاتجاه المعاكس» للإعلامي فيصل القاسم على قناة الجزيرة فهو حقًّا ذو محتوى قيّم، إلا أنّ أسلوب التقديم مبتذل إلى حد التفاهة، بعض الحلقات كانت تنتهي بالسّب والشتم أو العِراك بين الضيفين أو انسحاب أحدهما. هذا عن الإعلام، فماذا عن وسائل التواصل الاجتماعي؟
يرى المُفكِّر الإيطالي إمبِرتو إيكو وسائل التواصل الاجتماعي على أنّها (غزو البُلهاء). بِالفعل عندما نتصفّح وسائل التواصل الاجتماعي أو ندخل المواقع الإلكترونية نلاحظ بروز أشخاص تافهين ما كان ينبغي لهم أن يبرزوا ويتصدّروا المشهد، هذا الانحطاط بالوقت نفسه يُغَيّب عن المشهد أصحاب الكفاءات والأداء الرفيع، فهل يجري الأمر بشكل عفوي؟ أم خلفه نظام خَفي مُحكم؟
إنّ التافِه ليس شخصًا غبيًا وكسولًا كما يعتقد البعض، بل هو شخص طموح يعتزُّ بتفاهته، ويبني عليها مستقبله، مِمّا يعني أنّ التفاهة ليست ظاهرة عابرة، بل هي صناعة إعلامية موجّهة لإفساد الذوق العام للمجتمع، وتسطيح قضاياه عن قصد أو دونه. يعود السبب بالدرجة الأولى إلى كون الدخول إلى التطبيقات والمواقع الإلكترونية شبه مجانية ومُتاحة للجميع بما فيهم الحمقى، ولهم حقُّ التحدُّث والكتابة عِبرها مِثلهم مِثل المثقّفين والمفكّرين والعلماء، فيقدِّمون أنفسهم على أنّهم قدوات يُقتدى بها بعد أن كانوا في قاع المجتمع، الأمر الذي يشجِّع المزيد من أمثالهم على تقليدهم عملًا بالمثل القائل (الطيور على أشكالها تقعُ)، وهكذا تتسيّد المجتمع منظومة من الحمقى مقابل قِلّة قليلة من العقول الراجِحة.
لو أخذنا تطبيق اليوتيوب كمثال، بإمكان أي شخص الربح منه عندما تتجاوز مشاهداته حدًا معيّنًا، المعيار الوحيد هنا هو عدد المشاهدات بغضِّ النظر عن المحتوى، لِذا لا يتجاوز عدد المعجبين بالمحتويات القيِّمة والمُتفاعلين معها العشرات، وفي أحسن الأحوال المئات، بينما أي يوتيوبر يتّخذ من السخرية مادةً لعمله تصل مشاهداته لعشرات أو مئات الآلاف، كاليوتيوبر السوري يمان نجار المقيم في هولندا، والذي ينتحِل صفة ضابط مخابرات بأسماء مِستعارة على غِرار ميسون بيرقدار، حيث يتصل مع المشاهير لإخافتهم وإبتزازهم، وآخر ضحاياه الممثِّل أيمن رِضا.
بالطبع هذا لا يعني خلُّوِ اليوتيوب من القنوات الجادّة التي تقدِّم مواضيع مفيدة كتلك التي يظهر فيها الدكتور محمد شحرور -رحِمه الله- وهو يقدِّم قراءة معاصرة لكِتاب الله (القرآن)، وقناة الدكتور نضال قسّوم التي تُقدِّم مواضيع علمية قيّمة جدًا، وغيرها الكثير من القنوات.
أرى مِن الظُلم تحميل وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لوحدهما مسؤولية انتشار التفاهة، وتبرِئة المناهِج التربوية الخالية من تدريس مادّة الأخلاق، فالأمر هنا لا يخلو من أزمة الأخلاق والغياب شبه التام للأعمال الفنية الكوميدية الجيّدة التي تُهذِّب النفوس وتُبهِجُها، بينما دخول عالم التفاهة لا يحتاج إلى أيّ موهِبة أو خلفية فكرية أو مال، فضلاً عن جاذبيتها وسهولة صناعتها لِضحالة المحتوى المطلوب. بالطبع التفاهة لا تعني الفكاهة بأي شكل من الأشكال، فالفكاهة بالأصل موهِبة فنيّة يتميّز بها البعض دون الآخرين، ويحتاجها الجميع من حين لآخر، للتّرفيه عن النفس والتغلُّب على الاكتئاب وتعزيز الروابِط الاجتماعية.
لا نبالغ إذا وصفنا وسائل التواصل الاجتماعي بالأفيون الجديد الشعوب، في ظِلها لم تعد الآداب والفنون كما كانت انعكاساً لِوِجدان النشء، ولا مساحة للتعبير عن الأفكار، ولم تعد الغِناء والمسرح والسينما فنًا، بل مجرّد سلع تجارية مُربِحة. لو كان للتفاهة عنوان واحد لَكان (الثياب المُهترِئة) التي أصبحت موضة العصر، يرتديها كُل من الفتيان والفتيات، بعد أنْ كانت فيما مضى مدعاةً للخجل، يرتديها أبناء الطبقة الفقيرة من المجتمع لعدم القدرة على شراء ألبسة جديدة.
بالطبع لم أقصد من خلال ما سبق التقليل من أهمية دور وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في إلغاء المسافات ورفع سوية المعرفة والثقافة والتوعية لِمن أراد، أو حصر دورها في نشر التفاهة فقط، فالتفاهة هنا رغم فداحتها يمكن اعتبارها من الأضرار الجانبية التي ترافِق ظهور أي اختراع جديد.
إنّ السِباق المتواصل على وسائل التواصل الاجتماعي دون ضوابط واعية لا بدّ أن يُنتِج بالنهاية جيل مُنتحِر فكريًّا، لا يعلم من الحياة إلّا قشورها.
لقد آن الأوان لمكافحة ظاهرة تفشّي التفاهة في المجتمع، وعدم تركِها تكبُر كَكُرة الثلج، وإلّا سنبقى كما كُنّا ضمن الشعوب المتأخرة، ولن تقوم لنا قائمة.