استفتاءُ الاستقلال..لا الانفصال
سمير ميراني
الاستفتاء - Referendum - ظاهرة حضارية وشكل من أشكال الديمقراطية المباشرة (تشاركية وتشاورية) عبر تصويت مباشر من الشعب لإبداء رأيه في موضوع ما أو إجراء إصلاحات ذات طبيعة مصيرية بالموافقة أو الرفض حسب القوانين المعمول به.
غاية الاستفتاء هو استشارة مصدر الشرعية والشعب مصدر السلطات في البلدان الديمقراطية، يجري الاستفتاء بدعوة من الحكومة أو بناء على طلب من البرلمان (استفتاء قانوني) عرض مشروع قانون دستوري او تشريعي على الشعب بما فيه حق تقرير المصير، وإقراره من قبل الشعب بالموافقة أو الرفض وهو حق طبيعي للشعوب بموجب القوانين والمواثيق الدولية والكتب السماوية كما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى ( ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهم) (فاستفتهم أهُم أشد خلقاً أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب ) (ولا تستفتِ فيهم منهم أحداً) . والشريعة الإسلامية طبقت نظام الاستفتاء في مواضيع الشورى و البيعة (بيعة الرسول وبيعة الخلفاء الراشدين) .
في الأنظمة العربية لم يفرّق الفقه العربي بين مفهومي الاستفتاء الشعبي والاستفتاء الشخصي (تعديل قانون - نقض مادة دستورية- قاعدة قانونية) . تداخل في معنى الاستفتاء وخلطه بمفهومه السياسي والقانوني يؤدي إلى تجاوز وظيفة الاستفتاء العام في النظم الديمقراطية لتصبح وسيلة لإقرار قوانين أخرى لصالح السلطة الحاكمة بما يتناسب ومصالحها السياسية (استفتاء للتمديد لشخص رئيس الدولة) هذه التطبيقات الخاطئة تؤدي إلى تكريس حكم الفرد وإقامة نظام باطنه استبدادي، وظاهره ديمقراطي.
حق تقرير المصير (self_determination ) هذا المصطلح ينسب للرئيس الأمريكي ويلسون الذي ذكره لأول مرة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ضمن مبادئ ويلسون الأربعة عشر.
حيث أدرج فيما بعد في ميثاق الأمم المتحدة، وأصبح جزءاً من القانون الدولي، واكتسب قوة القانون.
حق تقرير المصير مصطلح قانوني يهدف لمنح مجموعة من الناس أو جماعة سكانية تجمعهم ثقافة ولغة وتاريخ مشترك أو العرق والأرض) الحق في تقرير مصيرهم ضمن حدود السلطة التي تكون مناسبة لهم بشكل حر دون إكراه خارجي وضغط دولي أو الاندماج مع مجموعة أخرى مجاورة أو الانفصال عنه أو الاستقلال.
بهذا الخصوص لابد من التذكير بإخفاقات الأمم المتحدة في إنصاف العديد من الشعوب في حقها في تقرير المصير ضمن دولتها المستقلة الخاصة. وارتبط مصطلح تقرير المصير بظهور مفهوم الهوية الوطنية ووجود الدول الوطنية المتجانسة لغوياً وعرقياً (الوطن هو الحق والانتماء والارتباط الوجداني بالأرض وتنظيم شكل المواطنة والتعايش السلمي ضمن هذا الوطن يكون بعقد اجتماعي بين المواطنين وفقاً لنظم سياسية واجتماعية تفضي إلى جدلية الحق والواجب تجمعهم اللغة والثقافة والتاريخ تحت مظلة الأرض لله والوطن للجميع.
لم تعتد دول المنطقة (العربية والعجم) مثل هذه التسميات الديمقراطية إلا ما ندر وفي مجالات ضيّقة ولأسباب لمنح زخم الاستمرارية لأنظمتها بدساتير خاصة لحمايتها .
وماحدث في جنوب السودان المسيحي استفتاء استثناء بدعم ومساندة من دول الغرب المسيحي وسط صمتٍ رهيب عربي اسلامي. نقيض ما حصل لاستفتاء الكورد في كوردستان العراق والذي تكالب الاعداء عليهم من العرب والعجم بإسلامه ومسيحييه وكأن القيامة قد دنت. هنا تتبين ازدواجية المعايير للدول كل وفق مقتضيات المصلحة الخاصة.
استفتاء كوردستان
الكورد كانوا إلى ماقبل سقوط الصنم واحتلال بغداد 2003 يتمتعون باستقلال شبه تام عن الدولة العراقية، وكان بمقدورهم استغلال ظروف الحرب وسقوط بغداد لإعلان دولتهم المستقلة، ولكنهم اختاروا طواعية العودة والمشاركة في بناء الدولة العراقية (باتحادٍ اختياري) الحديثة تعددية ديموقراطية كشركاء للبلد لا مواطنين من الدرجة الثانية، دولة مدنية بدستورٍ جديد يضمن حقوق جميع المكونات والقوميات، وتنفيذه يضمن وحدة العراق الفيدرالي، وهذا الدستور أنصف لحدٍ ما حقوق الكورد والمكونات الأخرى بعد ظُلمٍ واضطهاد استمر لعقودٍ من الزمن.
مشاركة الكورد في تأسيس وبناء الدولة الاتحادية العراقية الجديدة جاء إيمانًا منهم لنبذ العنف وكافة أشكال التمييز العنصري وضمان الأمن والتعايش السلمي لمكونات الشعوب العراقية، وهم الذين كانوا دوماً جزءًا من الحل السلمي، ومؤمنين بأن الله خلق البشر شعوباً وقبائل ليتعارفوا، ويتعاونوا، وهذا التنوع هو إرادة الله عز وجل فجعل بعض الخلق كورداً وبعضهم عرباً وآخرون تركاً وفرساً …
تشارك الشعبان في العراق الكوردي والعربي والأقليات الأخرى المحن والمؤن، وتقاسموا البلاء والضراء والذود عن الديار والدين والعَلَم، فكانوا الضحية منذ القِدَم ومازالوا يعانون من حُكم الجائر والفتن، وهذا ما أعتاد عليه حكام السلطة من السلف إلى الخلف بعقلية متوارثة وقصر نظر عجب، أنكروا الجميل، وأعرضوا عن رد المعروف، ومن ثم قطعوا الأرزاق، وحصر الأعناق ونشر خطاب الفتن والكراهية حتى فاض الحقد بين أبناء الوطن والديانة الواحدة.
كلما فتح الكورد باباً للحوار أغلقه حيدٌ من الجوار حتى وصل الحوار لطريق مسدود بعد أن كثر المطلوب المخنوق وشدة القيود المعهود، وعدم التوازن بين الأقوال والافعال. وكأن لعنة حمورابي قد طالت عار حكام بغداد حتى تقوم الساعة.
شعوب العراق بمختلف أممهم ودياناتهم لم يسلموا من ظلم سلطة الحاكم وبطشه، أذلوا العربي ونهبوه، واضطهدوا الكوردستاني، وحاربوه، ودمروا ديارهم، وأتبعوه سياسة التنكيل والتهديد والإقصاء لديمومة سلطتهم، وهذا ديدنهم المنافي للقيم الإنسانية والإسلامية الحنيف.
أعرضوا عن الدستور فيما يتعلق بحقوق الكورد، وشدوا عليهم خناقاً بفرض العقوبات والحصار وغلق المطار وتسليم الحدود … يا لهؤلاء من ضعاف النفوس والإيمان تأكلون لحم أخيكم والرسول الأعظم قال (لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) بئس العدالة عدالتكم.
* التطرف في الدفاع عن الحرية ليس رذيلة والاعتدال في السعي لإرساء العدالة ليس فضيلة * باري گولد ووتر .
بعد توفير عوامل نجاحه وتوحيد الصف والموقف السياسي والشعبي الكوردستاني وبعد مداولاتٍ واجتماعاتٍ للقوى السياسية الكوردستانية بقيادة الرئيس مسعود بارزاني أعلن البرلمان الكوردستاني بتوصية من رئاسة إقليم كوردستان لتوثيقه بشكل قانوني عن سلوك طريق الخير لشعبه وهو الاستفتاء العام الشعبي لاستقلال كوردستان والذي صوّت عليه المواطنون بكرنفالٍ شعبي (نعم) لصالح الاستقلال بعد أن قال البارزاني (لا) للجميع كي يمنح لشعبه (نعم) جراء ضغوطاتٍ جمّة اقليمية ودولية لمحاولة ثنيهم والمضي قدماً لإجراء الاستفتاء أو تاجيله .
" لتجد النور يجب أن تلامس الظلام أولاً "
خمس أعوام مضت على القرار المصيري للشعب الكوردستاني بجميع مكوناته لاختيار الاستقلال عن الدولة العراقية، وليس الانفصال كما يفهمها سياسيو العراق الذين لم يترددوا في استخدام القوة العسكرية المحظورة دستورياً ضد شعبٍ عبّر عن رأيه وحقه في تقرير مصيره المثبت قانونياً أممياً ودينياً.
أثبت الاستفتاء، وما تمخّض عنه من نتائج على عظمة شعب كوردستان في الصمود أمام ضغوطات المجتمع الدولي وحصارٍ اقتصادي وسياسي خانق فُرِض عراقياً اقليمياً ومجابهة جيشٍ وحشدٍ بقياداتٍ مختلفة مبهمة.
شعبٌ قائده وطني حكيم سينتصر على إرادة دول حكامها يتاجرون ببلادهم، ويشردون، وينكلون بشعوبهم، ومازال لعابهم يسيل فساداً مقيتاً.
نعم رغم الحصار الجائر صمد شعبنا الكوردستاني بل وتصدى للعدوان الغاشم على أرضه، هذا الثبات والصمود أذهل العالم، وأحرج المنظمات الدولية والاممية الفاشلة، بينما قوات الپيشمه رگه الباسلة تُدافع عن الأرض والعرض بتضحياتٍ مجيدة خالدة.
استفتاؤنا نصرنا وصك حريتنا واستقلاليتنا، ولن تستطيعوا مهما كانت الغاية أن تسرقوا متعة فوزنا ونجاحنا بل سيبقى حسرة في قلب عقولكم.
نحن شعبٌ تعلمنا أن نمنح أكثر مافي استطاعتنا وهذا كرَمٌ من ميراثنا، ونأخذ أقل مما نحتاجه ونرضى به وهذا عزة نفسٍ وفخر أمتنا.
يقول أجدادنا السومريون: البيت يبنى بيد رجل أمين، ويدمّر بيد خائن وضيع " وبيتنا الكوردستاني عامر ومزدهر بيد الأمين ابن الأمين مسعود البارزاني فخر هذه الأمة وشعوبها، مهما تكالب علينا الخونة والأعداء فلا خوف ولا جزع طالما البارزاني هو السند والمرجع.
مبارك لهذه الأمة أنت أمينها وحكيمها ووطنٍ انت عامرها وبانيها.