الاستفتاء.. بانوراما وجدانية
فراس محمد
لم أكن أتصور بأنني سأشهد في حياتي حدثاً يحمل في طياته هذا القدر من العاطفة القومية والمشاعر الهادرة التي حفرت قلوب الكرد في كل مكان، وتغلغلت في صميم وجدانهم كما فعل يوم الاستفتاء المشهود.
لقد كان هذا اليوم بحق يوماً للتاريخ، تاريخ كتبه الكرد بأصابع أرجوانية، ورفعوها في وجه العالم ليشهدوا أن الكرد قد قاموا..
منذ الإعلان عن هذا اليوم، بدا وكأن الكرد يستفيقون من رقادهم ولسان حالهم يقول: كم لبثنا في مجاهيل التاريخ ولعنة الجغرافيا، وظلم الأمم إذ يفصّلون المواثيق على مقاسات المنتصرين!! كم لبثنا تحت سنابك الخيول نذود عن تخوم الفرقاء ثم نبكي الخدائع التي منينا بها باسم الأخوة والدين.؟!!
أي فرح اقتنصه الكرد في غفلة من الزمن وفي زحمة الخيبات الطويلة منذ صاحب قلعة دُمدم (خان الكف الذهبية)، إلى الشيخ عبيد الله النهري وعلي شير بك والبدرخانيين إلى الشيخ سعيد الحفيد وسيد رضا وإحسان نوري باشا والشيخ محمود الحفيد البرزنجي إلى الشيخ عبد السلام البرزاني وشريف باشا.. الخ
منذ الإعلان عن تاريخ الاستفتاء، كانت القلوب تتلظى على نارٍ هادئة في انتظار اليوم الموعود، حتى أن البعض كان يخشى أن يموت من دون أن يشهد هذا اليوم، وذهب آخرون أبعد من ذلك لدرجة تصوروا أن تقوم القيامة قبل أن يحظوا بالإدلاء بأصواتهم أو أن يفوّتوا لحظة بعث طائر العنقاء من رماده.
كانت الشوارع تضجُّ بالمسيرات السيارة وهي تحمل العلم الكردي، كباراً وصغاراً، نساءً ورجالاً، أطفالاً وشيوخاً، كرداً وعرباً وسريان وآشوريين، شاركوا جميعاً في الاحتفالات بأزيائهم الشعبية، وملؤوا الفضاء بأغانيهم وأهازيجهم. بينما كانت المروحيات تحلق فوقهم، وتنثر الورود عليهم.
رأيت كيف أن الناس كانوا يفترشون أمام مراكز الإقتراع طوابير طويلة ليتنافسوا على الإدلاء بأصواتهم، ورأيت آخرين تأخذهم العبرات أمام شاشات التلفاز.. رأيت كيف أن العجائز كانوا يُحملون إلى مراكز الاقتراع، بينما يأتي آخرون على كراسيهم المتحركة، رأيت ذلك العجوز الأعمى وهو يرفع العلم الكردي ويقف منتصباً كجبل هلكورد.
سمعت الزغاريد تطلق في كل مكان، وكأن كل الأفراح والأعياد والأعراس اجتمعت في يوم واحد. وفي مراكز الاقتراع سمعت الناس يرفعون الأذان، ويكبّرون تكبيرات العيد.
لقد جاء الكرد من مشارق الأرض ومغاربها إلى إقليم كوردستان ليشاركوا فرحتهم عن قرب، فمن ذا الذي يمكن أن يفوّت يوماً عظيماً دون أن يكون شاهداً على تاريخ سيبقى مبعث فخر في ذاكرة الأجيال، جيلاً بعد آخر إلى أن "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم."