استفتاء الاستقلال.. ثورتي أنا

استفتاء الاستقلال..  ثورتي أنا

محمد زنكنة

قد يستغرب البعض من العنوان، إلا أنني كنت في وقتها حقاً في ثورة حقيقية، وكنت أشعر أنني أقاتل على أكثر من جبهة، وأواجه أكثر من عدو، قديم كان يخفي عداءه أو عدو مستجد العداوة.
لن أتطرّق إلى الأبعاد القانونية والأممية والإنسانية لموضوع الاستقلال لأن جميع المواثيق الدولية لا تمانع استقلال أي شعب يطالب بهذا الحق على أرضه بل وحتى ديباجة الدستور العراقي تؤكّد على أن وحدة العراق مرهونة بتنفيذ هذا الدستور، وبالابتعاد عن التقليدية، وبشكل مختلف عن كل من سيعبّر عن هذا اليوم، سأتحدث عن جزء من تجربتي ومشاهداتي وثورتي في تلك الفترة .
لم يكن موضوع الاستقلال جديداً، بل كانت تتناوله القنوات الفضائية العربية باستمرار وخصوصاً بعد عام 2014 بعد احتلال إرهابيي داعش لثلث العراق وتهديد كركوك وإقليم كوردستان، حيث كان الرأي السائد في تلك الفترة أن وصول قوات البيشمركة إلى كركوك يعني إعلاناً للاستقلال من طرف واحد بفرض الأمر الواقع، وهذا ماكانت تروّج له العديد من القنوات العربية إن لم تكن كلها مع أن بعضاً منها وفي محاولة للتغزُّل بالقيادة السياسية في إقليم كوردستان كانت تبث دوماً برامج وتقارير تبين فيها أنها مع الاستقلال قلباً وقالباً، وسرعان ماتغيّرت هذه المواقف بعد تحرير الموصل وعودة مكاتبها إلى المدينة.
بعد الانتهاء من تحرير الموصل بمشاركة فعالة من قوات البيشمركة وقبلها تحرير سنجار زادت المخاوف من خطوة الاستقلال، الحكومة العراقية استبقت مواقفها باستفزاز الإقليم مما أفرز مادة دسمة للإعلام العربي والعراقي وتحديداً القنوات العراقية المسنودة من الأحزاب الميليشياوية، بعضهم تناول الموضوع ببث السموم والأكاذيب عن طريق بعض من يسمون بالإعلاميين أو المحللين السياسيين، والتهجُّم على خصوصيات ومقدّسات الإقليم دون أية مراعاة لأية مواثيق تتعلق بأصول العمل الإعلامي (وأقولها وأنا مسؤول عن كلامي أن بعضهم، وعندما شعروا أن مدنهم تحولت إلى كابوس يهدد حياتهم غيّروا مواقفهم السابقة، وتبرؤوا منها).
في السابع من حزيران لعام 2017 تقرر إجراء الاستفتاء في الخامس والعشرين من أيلول لذات العام، ومنذ ذلك اليوم بدأت الماكينة الإعلامية الحاقدة بتلفيق الأكاذيب ضد الإقليم ونشر أخبار لا تمت للواقع بصلة وإيهام الشارع العراقي أن الكورد يريدون شق الصف العراقي (وهو لم يكن موحّداً أصلا) كانت الشائعات تدور حول ضغوط تركية أمريكية إيرانية أوروبية لإجبار الرئيس مسعود بارزاني على العدول عن القرار أو تهديد باجتياح عسكري تركي إيراني أو غلق الحدود أمام شعب كوردستان ليموت هذا الشعب جوعاً.
نعم هكذا كان خطاب جزء لا يُستهان به من الإعلام العراقي والعربي حيث كنت أشارك وفي بعض الأحيان ضمن هذه الحوارات التي كانت تضم أحياناً أشخاصًا كنت أشك أنهم عراقيون لأنهم كانوا يتحدثون وبكل جدارة بلسان كل من يُموّلهم، باستثناء العراق.
وفي بعض البرامج، حتى المقدّم لم يكن فيها حياديًا، كان وكثيراً ماكانت تنتهي بمشادات كلامية لتطاولهم المتعمد على الإقليم وقادته وسياسييه، أتذكّر وفي أحد الحوارات والتي شارك فيها ضيف من تركيا، اتّهم الأخير قادة الإقليم أنهم على صلة بإسرائيل، وكان ردّي أن سفارتهم موجودة في أنقرة، ليأتي الرد من الضيف العراقي من بغداد، ويقاطعني، ويحاول إسكاتي بشتّى الطرق، ومن مفارقات القدر أنه هو نفسه كان يصرّح أن تركيا هي سبب عدم الاستقرار في العراق والمنطقة، ويجب أن تدفع الثمن.
كنت أتنقّل بين قناة وأخرى، نقاش هنا وعراك هناك وتهديدات لم تكن تنتهي برسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبأرقام مختلفة وجميعها تحتوي على شتائم لاتمثل الا اخلاق مرسليها ومن يموّلهم، وفي كل الأحوال شتائمهم لم يكن لها أي رادع حتى عبر قنواتهم الفضائية بل والأكثر من ذلك كانوا يسعون دوماً إلى جمع أكبر عدد ممكن من الناس في ساحات وأماكن معيّنة لإحراق علم كوردستان وصور القادة الكورد.
وفي تلك الفترة أيضاً، وعلى جدارية كونكريتية في إحدى المدن العراقية انتشرت صور رُسمت من قبل أحد الرسامين المبتدئين تبين بأن تنيناً (يمثل الرأي الشعبي العراقي) يريد أن يبتلع كوردستان، ويقضي عليها، هذه الصور كانت الأوسع انتشاراً في مجاميع التواصل الاجتماعي وخصوصاً من قبل من هم دون السن القانونية كما تناولت بعض الجلسات الخاصة لبعض الشخصيات السياسية تكفيراً صريحاً لشعب كوردستان لكونه يسعى إلى ماسموه بالانفصال، ودعوات صريحة إلى القتال ضد هذا الشعب، كل ذلك كان يصلني لحظة بلحظة، وكل ثانية أشاهدها أو كلمة أقرؤها أو تصريح اسمعه كان يُطلب مني في حينها رداً (يُصاغ ويُقطع بحسب مزاج الموسسة الإعلامية).
تأجيل الاستفتاء كان خبراً عاجلاً يتم تداوله بين ساعة وأخرى، وكان الرد يأتيهم من خلال كلمات الرئيس مسعود بارزاني في التجمُّعات الجماهيرية التي لم يحالفني الحظ في المشاركة فيها بسبب انشغالي في المداخلات مع هذه القناة أو تلك، وأحيانا كنت أساعد العديد من الزملاء في القنوات الفضائية العربية في ترجمة تصريحات الرئيس بارزاني، وهذا ماكان يهون علي عدم حضوري لهذه التَّجمُّعات الجماهيرية التي كانت تملأ الساحات، وماكان يضحكني حقاً أن خبر التأجيل كان يؤكد عليه من قبل أشخاص كانوا يمنحون أنفسهم ألقاباً غريبة كالمستشار أو السكرتير الإعلامي للقيادي أو المسؤول الفلاني، وبأدلة كانوا يسمّونها بالدامغة والتي لا تقبل الشك، وكانت ردود المجلس الأعلى للاستفتاء وكلمات الرئيس تأتيهم كوقع الصاعقة لكنهم كانوا يصرون أن مسؤولين من هذه الدولة أو تلك قالوا لهم إن التأجيل بات أمراً حتمياً، وبكل صراحة لا ادري كيف يستطيعون وفي الوقت الحاضر مواجهة الشعب الذي كانوا يعملون على تضليله بهذه التصريحات؟
وفي الأيام الثلاثة الأخيرة قبل الاستفتاء وتحديداً بعدما وضع الرئيس حداً لكل الشائعات، تضاعفت الضغوط بشكل غير متوقع، وأغلب من كان يهاجم الإقليم وقيادته كان يبحث عن أي أمل لإقناع نفسه أن العملية قد ألغيت، ولم يبق شيء اسمه استفتاء هذا بالاضافة إلى أنباء مفبركة من مصادر مجهولة حول دخول القوات العراقية إلى مشارف أربيل أو التفافها عبر المنافذ الحدودية التركية الايرانية الى داخل الاقليم.
وقبل الاستفتاء بيوم واحد، عقد الرئيس مسعود بارزاني مؤتمراً صحفياً وضع خلاله النقاط على الحروف وخصوصاً حول الغاء الاستفتاء في كركوك والذي نفاه محافظ كركوك الراحل نجم الدين كريم والبيان المنسوب لأحد الشخصيات السياسية حول التراجع عن القرار والذي قيل فيما بعد أنه كان مفبركا ونُشر عن طريق اختراق صفحته الشخصية عبر الفيسبوك، في ذلك الحين كنت متواجداً في ستوديو قناة العربية لترجمة وقائع المؤتمر والذي صدم الكثيرين ووضعهم أمام الأمر الواقع أن القرار لا تراجع فيه .
وبرغم كل التأكيدات من قبل الرئيس، إلا أن الأخبار المفبركة والشائعات لم تنته، فقد نشرت بعض القنوات العربية والعراقية في يوم التصويت، أخباراً أفادت أن الحكومة التركية قررت إغلاق جميع منافذها الحدودية مع الإقليم في خطوة أثنت عليها جميع القوى السياسية التي كانت تتهم تركيا أنها كانت سبباً في زعزعة استقرار العراق، إلا أن الجانب التركي نفى هذا الأمر تماماً مبيناً أن هذا الخيار غير مطروح.
وفي يوم التصويت أيضاً، حاولت بعض الأطراف الميليشياوية جرّ قوات البيشمركة إلى مواجهات مسلّحة مع قوات الحشد الشعبي في خطوط التماس بالقرب من كركوك، هذه الحركة أيضاً باءت بالفشل، وخصوصاً بعد خروج قادة الحشد، ونفيهم لهذا الخبر على الرغم من إصرار قنواتهم الإعلامية على نشر أخبارهم المفبركة.
لقد كان يوم التصويت على تقرير مصير شعب كوردستان يوماً هادئاً مر دون أية مشاكل بإشادة الجميع صحفيين كانوا أم سياسيين أو حتى من المعارضين لإجراء هذه العملية، هم كانوا يتوقّعون أن النتيجة ستكون لمصلحة شعب كوردستان لذلك بذلوا كل مافي وسعهم لتنفيذ خططهم ومؤامراتهم البديلة بعد فشل توقعاتهم.
ومن خلال مالخصته والذي أتمنى أن أتوسّع في سرده في إطار كتاب أتمنى أن يرى النور قريباً، أود أن أبين أنني لم أرتح ولا ثانية خلال الأشهر الثلاثة التي سبقت الاستفتاء والأحداث التي تلتها وصولاً إلى خيانة السادس عشر من أكتوبر، لكنني كنت أشعر بكثير من الفرح والفخر بما أقدّمه وإن كان بسيطاً جداً لايضاهي نسبة نصف بالمئة ممّا يقدّمه فرد من أفراد البيشمركة، وكنت أرى أن الواجب يُحتّم علينا جميعاً أن نكون كورداً وكوردستانيين قبل أي شيء. انتقادات الطرف الآخر لم تكن سوى سهاماً مسمومة كنت أشعر بمرارتها لكن رؤية الآلاف من إعلام كوردستان، وهي ترفرف في شوارع وأبنية الإقليم والاستماع إلى كلمة الرئيس، ونفي الشائعات كان يجعلني ابتسم أمام المغرضين متناسياً كل التعب والإرهاق والضغط النفسي الذي كنت أعيشه.
وفي المحصلة، لم نخضع، ولم ننحنِ، وصوّتنا ب «نعم» لمستقبلنا ومصيرنا، نعم صُدمنا بمؤامرة من هم أقرب الناس إلينا، إلا أننا لم نسقط، ولم تتحقق آمالهم بل أن الرصيد السياسي والجماهيري لكل من تآمر على هذا الشعب أصبح خالياً، وعرفت كل هذه الأطراف أوزانها الحقيقية، والحكمة السياسية في كوردستان أجبرت كل من تآمر عليها على أن يستنجد بها بعد كلّ مشكلةٍ تواجهه.
نعم، لم يكن استفتاءً، فقط بل كانت ثورة، ثورة بيني وبين كل من حاول التشجيع على إسقاط التجربة السياسية في الإقليم، ثم ندم، وتودّد معتذراً نادماً، وثورة مدنية سلمية لشعب لم يرد شيئاً غير حقه الطبيعي في حياة هادئة بعد أكثر من قرن من الحروب.