في أدب استعارة الكتب.. هذا الكتاب أنت تفكّر باستعارته وأنا أفكّرباستعادته!

في أدب استعارة الكتب.. هذا الكتاب أنت تفكّر باستعارته وأنا أفكّرباستعادته!

إبراهيم اليوسف

لم أنظر في يوم ما إلى كتب مكتبتي أنها لي وحدي، بل كنت أعدُّها مكتبة عامة. مئات الطلاب ممن أعرفهم أو لا أعرفهم استعاروا ما يلزمهم منها من مراجع، واستفادوا منها. مئات الأصدقاء والصديقات استعاروا من مكتبتي، وكنت أشعر بمتعة وأنا أقدّم خدمة ثقافية متواضعة لهؤلاء، إلا إنني بعد سنوات من عمر مكتبتي بدأت أحزن لعدم التزام بعضهم- وهم ندرة الندرة- بإعادة الكتب التي استعاروها، أو لتمزيق بعضهم أجزاء من بعض الكتب، وإعادتها إلي، وكأن شيئاً لم يكن، وهو ما كان يحدث مع بعض مستعيري الكتب المدرسية من الطلبة، رغم إن علاقتي كانت جدّ جميلة مع طلابي. وثمة بعضهم- من غير الطلاب- من كان يقتطع مستلات مهمة من الكتب، أو يعيدها ممزقة إلي، بسبب عبث صغارهم، بل كان هناك من يعلمني بإضاعته للكتاب المستعار، أو عدم إعادة من استعاروها منه- ولربما أعاره هؤلاء لسواهم، في دورة قصيرة أو طويلة، وفي هذا عدم احترام لمفهوم الاستعارة والعلاقة بي وبمكتبتي!
وحقيقة ليس في نظري أسوأ من سرقة الكتب المتعمدة، وإن كانت السرقة درجات، فقد نسوّغ لمن يسرق كتاباً كي يشتري به رغيفاً، أو علبة دواء، لكن هناك من يستعير الكتاب ويقرؤه ولا يعيده، بدافع أناني، وهناك من لا يقرؤه، ويحتفظ به ليرميه في مكتبة بيته كقطعة ديكور. وعندما لاحظت أن بعض كتبي بات يسرق، تحت اسم- الاستعارة- رحت أعلق لوحات مخطوطة بشكل جميل على جدار غرفة المكتبة التي كنت أستقبل فيها ضيوفي، ومنهم من يقيم فيها مدداً طويلة، رغم إنه لم يكن في بيتنا سوى غرفتين ومطبخ وحمام. أبرز تلك العبارات كان:
هذا الكتاب أنت تفكر كيف تستعيره مني.. وأنا أفكر كيف سأستعيده منك!
ولكم علقت، على جدار غرفة مكتبتي، من لوحات فيها بعض الأبيات الشعرية عن استعارة الكتب، ولكن، من دون جدوى!!
الآن، لو أعود إلى الوطن، فسأفصل غرفة استقبالي للضيوف عن غرفة مكتبتي، من دون أن أنقطع عن إعارة ما يلزم الآخرين من كتب، كما أفعل الآن في مكان إقامتي في ألمانيا، رغم أن الإعارة جد قليلة، لأسباب عديدة. ومؤكد أن ضيوفي كانوا عادة من خيرة الأصدقاء والأهل والمعارف المقربين إلي، ولكن، كان هناك بين الفينة والأخرى من يستعير كتاباً، أو كتباً، من دون أن يعيده، أو يعيدها إلي، لأسبابه، المختلفة، وأبرزها: النسيان من قبل طرف، أو من قبل الطرفين، رغم إني كنت أدون أسماء مستعيري الكتب والكتب التي استعاروها في كراس خاص. ولقد سرق الكراس نفسه، ذات مرة، من قبل مجهول!
ولقد سوغ كثيرون سرقة الكتب من المكتبات، بدعوى أنها من السرقات المسوغة، وهي فتوى ملفقة، إذ إنني لأراها من أبشع أنواع السرقات. لاسيما عندما يكون الضحية مثقفاً، اقتنى كتبه على حساب لقمة أسرته. إذ إنني قلت ذات مرة: إن كل كتاب من آلاف الكتب في مكتبتي إنما اقتنيته على حساب شراء قميص أو بنطال أو إحدى الحاجات الضرورية. اللصوصية المقنعة لطالما كانت تتم باسم- الاستعارة- إذ يمكن للمرء أن ينسى كتاباً استعاره من جهة ما، وهو عادة ذلك الأنموذج الذي لا يقرأ، إلا إن الأمر ليتغير إذ نكون أمام امرىء جاء ليسرق كتاباً باسم الاستعارة!
كتبت في هذا الشأن الكثير. أتذكر أنني كتبت مقالاً في صحيفة- تشرين- السورية،عن استعارة الكتب، فاتصلت بي صديقة تقيم الآن في السويد، وقالت: بعد قليل سيوصل أخي فلان الكتب التي استعرتها منك إليك، وراحت تعتذر لأنها أخرت دفعات الكتب التي استعارتها، وكانت أولاها ربما قبل سنتين أو أكثر!
صديق عراقي، معارض، كان يقيم في قامشلي اتصل بعد ذلك وقال: بعض كتبك في الجبل، فور إعادتها من قبل الرفاق أعيدها لك!
في كتابي السيروي- ممحاة المسافة- كتبت عن هذه الظاهرة، فثمة من استعار حوالي مئتي كتاب من أجل مشروع دراسة له، ولم يعد منها كتاباً واحداً حتى الآن، وكانت استعارته دولية أي أنه كان يقطن في بلد بعيد عني آلاف الكيلومترات، وحين طالبته بعد عشر سنوات وأظهرت له حزني على كتبي وهي مجموعات شعرية ودواوين باللغة الكردية رد علي:
كان عليك ألا تتأخر كل هذه السنوات لا أدري أين صارت الآن!
ومنهم من استعار مايقارب أو يزيد عن هذا العدد من كتب مكتبتي ليوزعها على طلابه في مدرسة إعدادية، ثم سافر إلى بلد خليجي، وبعد انتهاء مدة عمله زرته وطالبته بكتبي وأنا جد خجل منه كما كلهم، قال:
لا أتذكر ذلك
نهضت لأختار بعض ما بقي لي من كتب في مكتبته وكان يعترض على استعادتي لبعضها قائلاً:
لن أعيده إليك. الآن هذا الكتاب غير موجود في المكتبات، وأنت السبب، لأنك لو طالبتني به في الوقت المناسب لأمنت البديل
مثل هذه الحالة تكرر مع شقيق شاعرة استعارت حوالي أربعين كتاباً لم تعده، ونشرت خط يدها في منشور على الفيسبوك، من من دون أن أعلم، أو يدري أحد، من خارج بيتي من هي؟!!!
ثمة من سقط كتاب ما من بين جريدة- للفه- بها. ثمة من التقط كتباً من المكتبة ووضعها تحت معطفه بينما رحت أعد له- الشاي- فلما أتيته طالباً منه الجلوس لنحتسي الشاي معاً، اعتذر لأنه على عجل، فدفعته كمقرب على أقرب كرسي ليجلس، لتسقط كتب عزيزة، ويغادر البيت ولم نلتق حتى الآن!
لكم تألمت عندما اتصل بي في مرحلة بدايات الثورة السورية أحد شباب الحراك وقال ها أقرأ الكتاب الفلاني من مكتبتك:
وحين سألته كيف حصل عليه: أجابني ليس هذا الكتاب وحده، وإنما سرق لي أخي- صديق ابنك الفلاني- عدداً من الكتب، وهو أقل من سرق من مكتبتك!
من أغرب ما حدث لي: أنني أكثر من مرة اشتريت أحد كتب مكتبتي من باعة الكتب المستعملة، بل من أغرب الغرائب التي تمت: طالب مقرّب مني- هو الآن إعلامي ويقيم في أوربا- استعار مني عدداً من الكتب، ثم وبعد سنوات، دقَّ أحد عاملي النظافة باب بيتي وقال:
التقطت هذه الكتب من مركز النفايات في المدينة، إذ كان ذووه قد تخلصوا منها!
ثمة- أيضاً- الشاعر الكبير الذي تبجح بقوله:
لن أعيد إليك الكتاب الفلاني!
أذكر، في أوائل ثمانينات القرن الماضي1982حل ضيف علي من ديرالزور، وكان صاحب معرض-الفرات- أنسيت اسمه وذكرني به الصديق فواز قادري- ربما كان اسمه الأول سمير- ويبدو أنه كان صاحب موقف، وأقام معرضاً في المركز الثقافي، فاتصل به ذووه من – الدير- بأن شقيقه قد توفي، فعاد ليسلمني مهمة الإشراف على بيع الكتب وأنا الذي لا أجيد أية عملية حسابية، نبهني صديق إلى أن- من هو الآن دكتور- قد سرق كتباً من المعرض.
أشرف لصوص الكتب: طفل يتيم من حي قدور بك- في قامشلي- ترك رسالة في- كيس مليء بالكتب والمجلات- وراء باب أقامته دار الينابيع في قامشلي، - كتب فيها:
لقد أحببت كتباً للأطفال وغيرها فسرقت منكم الكتب التالية" وراح يذكر عناوينها" وتركت بدلاً عنها هذه المجلات والكتب. تشوقت أنا ووحيد عليشي- شقيق الشاعر صقر عليشي، ورغبنا في معرفته، وبينما كان صديقنا أحمد حيدر يتصفح إحدى مجلات الأطفال التي تركها: صاح لقد عرفته. اسمه كذا. يقطن في الحي الفلاني قرب مطعم كذا، فاستقلنا سيارة، وحملنا له عدداً من الكتب والهدايا وزرنا بيته، لنجد أنفسنا في بيت فقير. على كل جدار من البيت جريدة حائط أعدها ذلك الطفل. ليتني أعرفه الآن!
هذا الطفل زارني أكثر من مرة، لكنه انقطع عن زيارتي، ولا أدري الآن من هو؟
لقد لفت نظري أن أخذوا دفعات كبيرة من كتبي، من دون أن يعيدوها. جميعهم كانوا من مدينة واحدة، وإن كان منهم من استعار كتاباً واحداً من دون أن يعيده، ولعلها مصادفة، بكل تأكيد!
لا أتحدث- هنا- عن سرقة الكتب من المكتبات. من المعارض التي كان بعضهم يمتهنها، وكان مثل هذه السرقات وغيرها- الجزء الأكبر من مكتبته-
أتذكر أبي- رحمه الله- كان يتذكر من استعار بعض كتبه ولم يعدها- وكان الشخص من الأقرباء، فكان يتحدّث بحزن- عن كسر أجزاء- المجلدات الفلانية- ويفكر بكيفية جبرها، ويقول لي، عندما يسمع بضياع أو فقد كتب لي: المال الداشر يعلم أولاد الحلال على الحرام!
كتبت الكثير عن الكتاب. الكتب. المكتبات. المعارض. استعارتها، وجمعتها في- كراس- قدمته لإحدى دور النشر الإماراتية، إلا إنه لم تتم طباعته، فنشرت بعض مقالاته في كتاب آخر لي!..