النظام العالمي والجيوبولِتيك

النظام العالمي والجيوبولِتيك

محمد رجب رشيد

بالعودة إلى التاريخ وإلقاء نظرة سريعة على مراكز القِوى في العالم، نلاحظ انتقالها من منطقة إلى أخرى وِفق حركة مضطرِبة بدءاً من وادي النيل وبلاد ما بين النهرين إلى روما وفارِس، ثمّ روما والدولة الإسلامية، ثمّ روسيا وإسبانيا، ثمّ بريطانيا وفرنسا، وأخيراً الاتحاد السوفيتي وأمريكا، ومؤخراً أمريكا لوحدِها، وكأنّ حركة التاريخ تسير وِفق الثقل العسكري الذي تتناوب عليه الدول، قال تعالى: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس) ص. يتضِّح مِمّا سبق أنّ النظام العالمي كان ثنائي القطبية في أغلب مراحله إلى بداية تسعينيات القرن الماضي، حيث شهِدت نهاية الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، أعقبها تحوّلات جيوسياسية كبيرة انعكست على بنية النظام العالمي بانتهاء نظام القطبية الثنائية وبروز القوة الأحادية عسكرياً واقتصادياً، فأصبحت أمريكا القطب الأوحد دون منازع، الأمر الذي جعل العالم يشهد حالة غير مُعتادة، ويُشجِّع -بالوقت نفسه- فرانسيس فوكوياما السياسي الأميركي من أصل ياباني على نشر مقالة عام ١٩٨٩م في مجلة ناشيونال إنتريست يُعلِن فيها نهاية التاريخ، ودخول العالم حُقبة جديدة تشهد تغيير جذري في الفِكر السياسي، تمهيداً لنظام عالمي أبدي بقيادة أمريكا المنتصرة في الحرب الباردة.
لِنعُد إلى العنوان: من المؤكَّد وجود صلة وثيقة وتأثير متبادل بين النظام العالمي والجيوبولِتيك. تعود بداية تشكُّل مفهوم النظام العالمي إلى العام ١٦٤٨م في صُلح وستفاليا -مقاطعة ألمانية سابقة كانت مستقلة ذاتياً ضمن بروسيا- والذي كان من نتائجه ظهور الدول القومية بعد قرن من الحروب الدينية في أوربا. ويُعرف بمجموعة من التفاعلات بين أعضاء المجتمع الدولي على المستويين الإقليمي والعالمي والتي تُجرى وِفقاً لمنظومة مُستقاة من فلسفة العولمة. كان من المفروض أن يهتم النظام العالمي في المقام الأول بالعمل الجماعي لتحديد وفهم ومعالجة القضايا العالمية التي تتجاوز قدرة الدول لوحدِها على حلِّها. ولكن ومع الأسف على أرض الواقع نرى شيئاً مختلفاً تماماً، كالاحتكام إلى حق القوة بعيداً عن قوة الحق، وتجاهل الكثير من القضايا العادلة، والاكتفاء بإدارة الصراعات بدلاً من إيجاد حلول لها.
من أهم سِمات النظام العالمي الحالي الحروب الاستباقية والهيمنة الاقتصادية المُتمثِّلة في التحكُّم بأسواق المال وفرض العقوبات الاقتصادية على الدول والبنوك والمؤسسات والأشخاص، وتزايد حجم الاستثمارات الخارجية، فضلاً عن السيطرة غير المباشرة على حقول النفط والغاز ومصادر الطاقة في العالم.
أمّا الشق الثاني من العنوان الجيـوبوليتيك (الجيوسياسية) فهـو عِلم يهتم بدراسة تأثير الجغرافيا الطبيعية -الموقع، الحدود البرية والبحرية في حال وجودها، المياه، الجبال، الثروات الباطنية- على السياسة الخارجية للدول، مقابل مسعى السياسة للاستفادة من تلك الميِّزات وفق منظور مستقبلي. فالجغرافيا هي إحدى أهم الأركان التي تُبنى عليها الدول، ولها دور كبير في قوّة الدول ونفوذها الخارجي، أمّا السياسة فإنّها لا تقلُّ أهمية عن الجغرافيا، فهي جوهر الدولة إنْ صلُحت تُصلح جميع مفاصل الدولة، وإن فسُدت تُفسد.
وهنا لا بدّ من التمييز بين الجيـوبولِتيك (الجيوسياسية) والجغرافيا السياسية، فالأولى تهتم بما يجب أن تكون عليه المصالح العليا للدول بناءاً على الموقع الجغرافي، وتنظر إلى الدول كَكائن حي يتمدّد ويتقلّص، يقوى ويضعف، يحيى ويموت. أمّا الثانية فإنّها تهتم بما هو كائن على الأرض من الموقع، التضاريس، الجبال، الحدود البحرية، الموارد، الثروات الباطنية، وكيفية إستغلالها بشكل صحيح للإستفادة القصوى منها.
لقد جمعت كل من بريطانيا سابقاً وأمريكا بعد الحرب العالمية الثانية بين الجيوبولِتيك والجغرافيا السياسية، فمن ناحية نهضتا بإستغلال ثرواتهما وعقول أبنائهما ومن ناحية أخرى إحاطة البحار بحدودهما جعلتهما منيعتين ضد الغزوات الخارجية، لم يتوقف الأمر عند حدودهما المنيعة، بل امتدّ نفوذهما إلى أقاصي الأرض.
إذا كان الاقتصاد يصنع السياسة، فإنّ الجيـوبولِتيك تصنع التاريخ في حال تطعيمها بالإرادة، يجدُر بنا هنا التذكير بما جاء في مذكّرات الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون حيث قال: (قد نخسر الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي أو الحرب العسكرية في حال نشوبها ونحن الأقوى عسكرياً واقتصادياً إذا ضَعُفَتْ إرادة الرئيس الأمريكي). بغِياب الإرادة والقوة العسكرية تكون الدول خارج التاريخ وعُرضةً لمخاطر الغزو الخارجي مهما إمتلك من الثروات، كما هو حاصل مع دول الخليج وبعض الدول الافريقية.
العالم الآن على موعد مع ولادة نظام عالمي جديد لم يتبلور بعد، قد تكون ولادة قيصرية، جميع الأنظمة العالمية السابقة جاءت بعد حروب ساخنة أو باردة. إنّ الغزو الروسي الحالي لأوكرانيا لا يخرج عن هذا الإطار، الرئيس بوتين يعمل على إحياء أمجاد الاتحاد السوفيتي السابق، نذكِّر هنا بما قاله في إحدى خطبه: (إنّ إنهيار الإتحاد السوفيتي كان دراما حقيقية، أبقت عشرات ملايين الروس خارج حدود روسيا، ومكاننا في العالم الحديث سيتحدّد طبقاً لنجاحنا وقوّتنا).
إنّ انتصار روسيا في أوكرانيا قد يُشجِّع الصين على استعادة تايوان والبحث عن مقعدٍ لها في نظام عالمي جديد بثلاثة أقطاب، الأمر بِرُّمته يتوقّف على نجاح أو فشل المغامرة الروسية الحالية في أوكرانيا. لننتظِر ونرى!