المعارضة في العراق.. والافتقار للحنكة السياسية
سمير ميراني
تعدّ المعارضة السليمة من أهم مظاهر التعددية السياسية والتعايش السلمي، وهي جوهر النظام الديموقراطي، تُعبّر عن مطالب الشعب بواقعية وعقلانية مستندة على أسس المعرفة وقبول الآخر .
تمارس المعارضة دورها ضمن الأطر الدستورية والقانونية والتشريعات وفق رؤية وبرنامج وطني شامل واضح المعايير والملامح، تظهر جلياً حقيقة ديموقراطية المعارضة في ممارسة دورها الرقابي على أعمال الحكومة بما تقتضي المصلحة العامة للشعب وانتقادها بالطرق السلمية المشروعة وانتقائها للأدوات البناءة والوسائل الكفيلة الهادفة لتحقيق الغاية الأسمى، وهي رفاهية الشعب وتطوُّره ضمن سيادة دولة متحضّرة مدنية أساسها التعايش السلمي وقبول الآخر، حضور الديمقراطية التعددية بالضرورة تعني وجود معارضة وطنية سليمة.
تختلف طبيعة المعارضة وتوجُّهاتها باختلاف طبيعة المجتمع والثقافة السائدة -قبلية دينية عقائدية مدنية - ومدى تحكُّمها بمقدرات الفرد وتأثير الموروثات على وعيه وإدراكه لحقوقه، وما ينبثق منه تداعيات تؤثر على مصالحه وتوجهاته الفكرية والسياسية والاجتماعية.
يتّصف المجتمع العراقي بطبيعته ذات الطابع القبلي العشائري المتديّن بالصبغة المذهبية والتي أفرزت العديد من كبار رجال العشائر وعلماء الدين ممّن كانوا في طليعة المحتجين على ممارسات الحكومات المتعاقبة ضد مصالح المجتمع والوطن تمخّضت عنه ثورات واحتجاجات شعبية استقطبت العديد من شرائح المجتمع أسهمت في تغيير المشهد السياسي.
المعاناة الحقيقية للمجتمع العراقي بدأت في فترة ما يسمى بالمد القومي العربي وأيديولوجية عقائدية فُرِضَت على العراقيين قسراً، اضطروا لتقبلها على مضض، هذه الايديولوجية خلقت أنظمةً عسكريةً ديكتاتوريةً تُقمع معارضيها بوحشية، وتغذّي شموليتها بالظلم ترهيباً ورعباً خنقاً للحريات العامة.
ظهرت بوادر إيجابية -بعد التحرُّر من الحكم العقائدي الدكتاتوري بمساعدة الغرب - لتكوين العقد الاجتماعي بين مكوّنات المجتمع العراقي، وبرزت دعوات تنادي بالحريات العامة والعدالة الاجتماعية متمثلة بمنظمات المجتمع المدني ولفيف من الخبراء والمثقفين المتأثّرين بثقافات الغرب الليبرالي، بالمقابل ظلت الأفكار التقليدية السوداوية المتوارثة تهيمن على أطيافٍ من المجتمع المتمسك بالأصول والعقيدة.
تداخُل المفاهيم بين الحداثة المدنية وصراعها مع العدمية والأوهام الخفية ببطانة المورث تمخّض عنه تنازعٌ بين القيّم الإنسانية العليا والمنافع الشخصية الأحادية أدت إلى سن قوانين وضعية مجرّدة لصالح الأحادية ظاهرها إنساني وباطنها انسيابي في التطرُّف العرقي والطائفي غايته نشر الجهل والكراهية، تعلو فيه ثقافة الغدر والانتقام على العدل والسّلام، تقوده قوى جاهلة للسياسة عديمة الولاء للوطن والإيمان به، هذه القوى هجينٌ من التابعين والدُّخَلاء تجهل أن البناء السليم للدولة المدنية رُقيٌّ في الأخلاق وإبداع ٌفي العلوم الإنسانية، وليس كما يعتقدون نسخٌ واستيراد لتجارب فاشلة لدولٍ أخرى .
السلوك السياسي للقوى العراقية لم يستنبط عن ثقافة الوعي الاجتماعي والإدراك المعرفي لفهم المبادئ الاساسية للتشريعات والقوانين الهادفة لبلوغ النظام الديموقراطي التعددي أساسه التعايش السلمي وقبول الآخر، إنما قائم على إرساء نهج الكراهية وتوجيه الاتهامات جزافاً، والغور في متاهات التّدافُع المنفعية والتنابز بالخيانة زيفاً للحقائق وفبركة الإشاعات المضادة لإثارة الفتن والفوضى، غايته تضليل الشعب حتى أضحى خيط السلام بين سياسيي العراق مجرد كتلة من العُقَد نتيجة القطع والوصل المِرَار أدت إلى فشل العملية السياسية وتحريفها عن مسارها الطبيعي السليم ألا وهو (الحوار السياسي) بما تقتضيه مصلحة الدولة والشعب (الحوار الواعد افضل وأسمى من البيان رقم واحد) .
نجد أن منطلق العملية السياسية التي تخوض مجرياتها ثنائية السلطة والمعارضة انحصرت غايتها على المناصب والمنافع الحزبية الضيّقة والمصالح الشخصية الخفية، هذه الغايات تجمعهم، وتضعهم في خانة واحدة تحت بند (الضرورات الحزبية تُبيح المحظورات الوطنية).
عدم تحمُّل مسؤولية وفشل العملية السياسية يفرض على الأحزاب السياسية التي فقدت مكانتها في أعلى الهرم لقيادة الدولة، استبعاد خيار التوجُّه للمعارضة التي ستفقده المكاسب والمنح والعطاءات لذلك تصر على التمسك بالسلطة بشتى الطُرُق مهما كانت الأدوات والسبل (الغاية تبرر الوسيلة)
ومَن يحمل خجلاً شعار المعارضة إنما فُرِض عليه هذا التوجُّه خسارتهم للسلطة وضياع المكتسبات، وتدنّي حجم القاعدة الجماهيرية، وليس إدراكاً منه لإصلاح النظام وكذلك تشفيّاً من قوى منافسة مناوئة وتشويهها أمام الرأي العام وإشاعة الفوضى السياسية ترهيباً وتخويفاً (الجميع يدَّعون الوطنية والإخلاص، ولا ندري من هم الذين يغتالون المواطنين، وينهبون الوطن، ويدّمرون البلد)
فشل أشباه سياسيي العراق في فهم النظام الديموقراطي المدني التعددي وممارسته بما يضمن الاستقرار والتعايش السلمي شكّل عبئاً ثقيلاً على كاهلهم أجبرهم لإهمال القانون الأعلى والأسمى لديمقراطية الدولة المتمثل (بالدستور)! سبب فشلهم يعود إلى ضعف شخصيتهم وافتقارهم للحنكة السياسية (الجهل السياسي) وعدم تأقلمهم، وهذا المفهوم الجديد لإدارة الدولة المتطفّل على نهجهم السياسي العدمي العدواني (من اعتاد القلق ظنّ الطمأنينة فخاً)، لا توافق بين التعددية المدنية (الحداثة) والمنهجية الخفية الثيوقراطية (الهدامة) التي قسّمت المجتمع، وأفرغت واقعاً مراً متداخلًا متراكماً بالمشاكل وعدم فهم الآخر لانعدام الثقة بالقانون والدستور وتفضيل القوة والعنف على السلم والامن وقبول الاخر، ولا مفرّ من الاشتباك بينهما لضعف مؤسسات وأجهزة الدولة مما ساعد على انتشار العصابات المسلحة الخارجة على القانون تحدياً لسلطة الدولة التي أضحت ملاذاً للتدخلات الخارجية (مابين الحوار والبيان ضاع الكيان) .
إن تصحيح مسار العملية السياسية بين (السلطة والمعارضة) وتقديم مقترحات الإصلاح السياسي والبناء العلمي السليم للنظام الديموقراطي خيارٌ جديٌّ ومطلبٌ لابد منه لتقدُّم الدولة واستقرارها، وتثبيت مفهوم التعدُّدية وقبول الآخر شركاء في الوطن يمنح الطمانينة والأمان والاستقرار لكسب ثقة الشعب من جديد ورفاهيته بعيداً عن الأوهام الذهانية المنفصلة عن الواقع .