إمبراطورية الكتاب العظمى
إبراهيم اليوسف
وحده الكتاب، يتحول إلى هيولى خفية، تتجاوز الربط بين أفراد الأسرة الواحدة إلى أبناء المجتمع الواحد، والوطن الواحد، إلى أبناء الكرة الأرضية، برمتها، ليكون بذلك جامعاً إنسانياً عملاقاً. وقد استطاع الخير من خلال هذا الكتاب - ومنذ بداية الوعي البشري- أن يكون هويته، في مواجهة أساطين الشر، وإن كنا سنجد هناك من ينخرط –طوعاً- في لجة الشر نفسه، وهو ما يمكن تناوله في موضع آخر.
والكتاب فوق كل هذا وذاك يجمع بين القارىء والمتلقي، ليضع كلاً منهما في مواجهة حميمية مع الآخر، وهو من منحه شاعر فذّ كأبي الطيب المتنبي مكانة جد سامية حين قال:
أعزّ مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الأنام كتاب
ولا أعتقد أن أحداً أنسن الكتاب، وخلّصه من حالة التشيؤ، بأكثر مما فعله هذا الشاعرالمبدع، معيداً في إهاب الشعر ما قاله جده الجاحظ الذي رأى الكتاب" نعم الذخر، والعدة، ونعم الجليس والقعدة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل.. إلخ، ليكون ما قاله أبوعثمان بن عمرو بن بحر من أرفع وأقدم ما تضمنه الوصف السردي الإنساني في الكتاب على الإطلاق، وليكون الأديب العربي-شاعراً وناثراً- قد عرف أهمية هذه الأوراق الغريبة، التي سرعان ما يتوزعها حبر ساحر، مدهش، يشعل كواكبه التي لا تنطفىء:
هوذا الكتاب
في ألف حلة وحلة
في ألف ألف حل وترحال
تتوزع كلماته في هندسة مبهرة
تصوغ كرنفالاً، وحلبات رقص
تبعث الموسيقا في كل مكان
تنفخ أضواءها كوكباً كوكباً
تفك رباطها الحبري
وتخرج على السطور
هو الكتاب... أجل..
ينادي قارئه إلى مواعد، واحتفالات خاصة، يقيمها من أجله، لا يغلق في وجهه باباً، مادام أنه هو الآخر يمتلك الرغبة الجامحة، ليلج عوالمه، عوالم لا تنغلق عليه في الوقت نفسه، لأنها مفتوحة على غيرها، في سلسلة، تتناسل، إلى ما نهاية لها البتة.
هوذا الكتاب
خلاصة رؤى المبدع
ولا تنفكّ عن أرومة شجرة الإبداع الإنسانية، منذ أولى كلمة شهدها التكوين، في كتاب، وحتى هذه اللحظة تحديداً، اللحظة التي تتأنق فيها كتب هائلة، بعطر حبر المطبعة، خارجة من تحت أجنحة حاضنة المطبعة، يودع بعضها بعضاً، وهي تقطع تذاكر ركوبها، كي تمضي إلى جهات، وعناوين، وبيوت، كثيرة، تعرفها جيداً، تختار أمكنتها اللائقة بها، من أنامل، ووسائد، ومكتبات، وطاولات، لا تزال هي الأخرى في انتظارها، كي تعلن في ساعة وصولها إلى ضالاتها عن أعراس مختلفة، تجمع عرس الطير، والبشر، والشجر، في لحظة واحدة، تشترك في ترجمتها الأنامل، والعيون، والأرواح، كي تخلق المتعة الكبرى التي لا تصل علياءها أية متعة غيرها من قبل، وكيف لا ؟ ، مادام أن للوعي مقياساً من كتب، حيث كتاباً كتاباً يعمر القارىء عمارة روحه، يرتقي إلى حيث تقوده أحبار الكتب.
هو ذا الكتاب يفرد أذرعته مرة أخرى
ها نحن نمضي إليه بلا تلكؤ