الأمن القومي - حدوده
محمد رجب رشيد
الأمن القومي للدول كَممارسة، يعود إلى بدايات ظهور الامبراطوريات والممالِك والدول، أمّا كمفهوم فهو حديث الوِلادة، ظهر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حين أدخلته أمريكا في معجمِها السياسي، وأفرَدَ له مجلس الأمن القومي الذي يُعادِل في أهميته حقيبتي الخارجية والدفاع، ويرأسه مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي.
على الرغم من أهمية مفهوم الأمن القومي وشرعيته إلّا أنّه مازال من أكثر المفاهيم المختلف على تعريفه، لغموضه من جهة وتعدُّد أبعاده من جهة أخرى. الأمر الذي أدّى إلى استغلاله من قِبل بعض الدول القوية عسكرياً لِشن حروب استباقية على دول ذات سيادة دون مبرِّرات مُقنِعة، و ارتكاب مجازر بحق شعوب آمنة بذريعة ضمان أمنه القومي وحمايته، من أهم الأمثلة على ذلك الحرب التي شنّتها إسرائيل على كل من مصر وسوريا والأردن عام ١٩٦٧م، الحشود العسكرية التركية على الحدود السورية عام ١٩٩٨م والتهديد باجتياحها إذا لم تتخلّ عن دعم حزب العمال الكردستاني، وتطرد رئيسه عبد الله أوجلان من أراضيها.
الحرب المتعدِّدة الأشكال وغير المُعلنة بين إسرائيل وإيران منذ سنوات. في السياق نفسه تأتي التهديدات الروسية الحالية بتوسيع نطاق الحرب على أوكرانيا لتشمل الدول الأوروبية التي قدّمت طلبات الانضمام إلى حلف الناتو، واعتباره تهديداً مباشراً للأمن القومي الروسي حسب زعمِها، فضلاً عن التهديد بقطع إمدادات الغاز والبترول عن الدول الأوربية مِمّا يهدِّد أمنها القومي.
أمّا ارتكاب المجازر تحت نفس الذريعة فقد تصدّرت تركيا العثمانية وتركيا الحديثة بقيادة أتاتورك اللائحة مع بدايات الحرب العالمية الأولى، حيث ارتكبت أبشع أنواع الإبادة الجماعية بحق الشعب الأرمني الأعزل، وفيما بعد بحقّ الشعب الكوردي في كوردستان تركيا. ولا أقلُّ بشاعةً منها قصف مدينة حلبجة بالغازات السامّة وحملات الأنفال والإبادة الجماعية بحق الشعب الكوردي من قبل نظام صدام حسين في نهاية ثمانينيات القرن الماضي.
أمّا في سوريا فقد شهدت المناطق الكوردية في محافظة الحسكة الإحصاء السكاني عام ١٩٦٢م والذي أدّى إلى تجريد مئات الآلاف من المواطنين الكورد من الجنسية السورية -للعلم حتّى نهاية عام ٢٠١٨م أعيدت الجنسية لحوالي أربعمائة ألف شخص-، تلاه مشروع الحزام العربي على الحدود مع تركيا.
إنّ الاحتلال التركي الحالي لِمناطق عفرين وجرابلس ورأس العين كانت تحت نفس الذريعة (حماية الأمن القومي التركي) مع العلم أنّ أمنها القومي لم يكن مهدّداً طيلة العقود التي سبقت الاحتلال، حيث لم تطلق طلقة واحدة باتجاه الأراضي التركية من المناطق التي أُحتِلّت.
هنا نجد أنفسنا أمام سؤال مهم: كيف يمكن لِشعب أعزل أن يشكِّل خطراً على أمن دولة قوية؟ لعلّ الجواب الوحيد هو عِداء تركيا للشعب الكوردي منذ تأسيسها، ومنع قيام دولة كوردية، ومحاربتها إذا لُزِم الأمر حتى لو كانت على سطح القمر حسب تصريحات قادتِها، ولذلك نجدها في سعيٍ دائمٍ لِمحاربة الوجود الكوردي على أرضه، وإسكات صوته في أوروبا. والآن تستغِلُّ موافقتها على انضمام كل من السويد وفنلندا إلى حلف الناتو للحصول على عدم ممانعة أمريكية لإحتلال ما تبقّى من كوردستان سوريا.
بالعودة إلى التاريخ القديم والحديث نجد أنّ الامبراطوريات كانت تتوسّع على حساب الشعوب الآمنة بذرائع مشابهة لذريعة حماية الأمن القومي، مثل نشر الإسلام بالسيف من قبل الدولة الأموية ثم العباسية، وذلك خلافاً لما جاء في كتاب الله، وتأهيل الشعوب المتخلِّفة والمغلوبة على أمرها باستعمارها من قِبَل الدول العظمى بريطانيا، فرنسا، اسبانيا، البرتغال، هولندا.
يُعدُّ الأمن القومي من القضايا الجوهريّة للدول، وحمايته من أولويات أية سلطة قائمة تجاه مواطنيها، وهو ما جعل هذا المفهوم يترسخ بما فيه الكفاية في الخطابات السياسية وأبحاث العلاقات الدولية، في إطار حق الدول في الدفاع عن مصالحها. جرتْ عِدّة محاولات لإعطاء تعريف واضح ودقيق لمفهوم الأمن القومي، لكن دون جدوى، فقد اختلفت التعاريف باختلاف وِجهات نظر المفكرين. مع ذلك يمكننا القول إن الأمن القومي للدول هو القدرة على حماية أراضيها ومصالحها ومواردها الطبيعية من التهديدات والأخطار الخارجية والداخلية ضمن حدودها السياسية، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار الداخلي واللُحمة الوطنية رغم اختلافه عن مفهوم الأمن الوطني الذي يقتصر على الأمن الداخلي فقط.
يقوم الأمن القومي على عِدّة دعائم أهمِّها وأكثرها فعاليةً هي قوة الدولة الذاتية لردع أي عدوان، وبدرجة أقل يأتي غياب التهديدات الخارجية عندما تكون الدولة في حالة السِلم مع الدول المجاورة، أو وجود نظام دولي فعّال للأمن الجماعي يكون قادراً على ردع أية دولة تعتدي على أخرى، وهذا مجرد افتراض لم يتحقّق على أرض الواقع في يوم من الأيام.
في ظل وضع طبيعي يمكن للدول حماية أمنها القومي بالاعتماد على إحدى العوامل السابقة أو كُلِّها حسب إمكانياتها. أمّا في حال كانت الدولة تعاني من العزلة الدولية كَحال جنوب افريقيا أثناء حكم التمييز العنصري، أو كانت محاطة بجدار من الرفض وسِياج عدائي من الدول المجاورة كحال إسرائيل سابقاً قبل اتفاقيات السلام والتطبيع مع الدول العربية، عندئذ سيكون درجة الاعتماد على القوة الذاتية لحماية الأمن القومي كبيرة جداً.
لا شكّ أن نقص الموارد الطبيعية -الطاقة والغذاء- لِأي دولة سيُهدِّد أمنها القومي، كما هو حاصل حالياً مع مصر على خلفية إقامة إثيوبيا سدّ النهضة على نهر النيل، فزراعة مصر وحياة سكانها تعتمد بالدرجة الأولى على مياه نهر النيل، وأي نقص في حصتها من مياهه سينعكس سلباً على اقتصادها، مِمّا يشكّل تهديداً خطيراً لأمنها القومي.
في عصر العولمة حدث بعض التحوّلات لمفهوم الأمن القومي، حيث لم يعُد ضمانه مقتصراً على القوة العسكرية فقط، وذلك لظهور عوامل جديدة تنخُر في الأمن القومي كالحروب السيبرانية والتجسُّس وانتشار الأوبئة، فضلاً عن كون قوة الدول لم تعُد تُقتصر على الجانب العسكري فقط رغم أهميته، بل تعدّته إلى السياسة والتكنولوجيا والتعليم والنمو الإقتصادي والموارد والمعلوماتية.
أخيراً أقول:
الأمن القومي لأية دولة يبدأ من الداخل، وينتهي عند حدوده، والبحث عنه خارج الحدود باطِل يُراد به العدوان، ولكم أن تتصوّروا وضع العالم في حال بحث كُل دولة عن أمنه القومي خارج حدوده!