الشرق الأوسط وسوريا... ساحات الحسم النهائي في موازين القوى الدولية
عزالدين ملا
الأحداث تسير بوتيرة متسارعة في منطقة الشرق الأوسط، والتحركات الدولية تفرض هيمنتها على السياسة الإقليمية والدولية، والملف السوري حاضرا في كافة التحركات.
خلال الفترة الماضية زار الرئيس الأمريكي إلى منطقة الشرق الأوسط واجتمع مع الاسرائيليين والفلسطينيين من جهة وكذلك مع رؤساء دول الخليج والأردن ومصر ورئيس حكومة العراق في العاصمة السعودية رياض، وتم التباحث في الملفات الأمنية والطاقة. وفي ذات الفترة عقد رؤساء روسيا وإيران وتركيا اجتماعا على مستوى قمة في العاصمة الإيرانية طهران، وكان الملف الأهم في القمة الأزمة السورية.
1- كيف تحلل مجريات الأحداث المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط؟
2- برأيك، هل هناك ربط بين اجتماع رياض واجتماع طهران؟ ولماذا؟
3- حسب المعطيات المتسارعة، هل من الممكن حدوث تغييرات على الأرض السورية بين الدول المتداخلة في الملف السوري؟ كيف تمّ التقييم؟
4- من خلال هذه التحركات، كيف ترى مستقبل سوريا وغرب كوردستان؟
الشرق الأوسط وتغير في قواعد لعبة الموازين والتحالفات
تحدث سكرتير حزب تيار مستقبل كردستان- سوريا، ريزان شيخموس لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «تساؤلات كبرى يطرحها نشاط سياسي ودبلوماسي غير مسبوق في قلب مناطق الشرق الأوسط، تقوده القوتين العالميتين العظميين، الولايات المتّحدة وروسيا، يتجسّد في تزامن انعقاد ثلاثة لقاءات قمّة موسّعة. كيف نقرأ أسباب ودوافع هذا النشاط السياسي، ونفهم طبيعة المصالح التي سعت أطرافه لتحقيقها، وما هي نتائجه المتوقّعة على صعيد الصراع على سوريا، والحرب الروسية على أوكرانيا؟، أعتقد أنّ القراءة الموضوعية الشاملة والدقيقة للنتائج المحتملة لقمم القدس وجدّة وطهران، وما تخلّلها من لقاءات جانبيّة، تتطلّب وضع النشاط الكلّي في سياقين مترابطين جدليّا، السياق الإقليمي العام- وفي قلبه سياق الصراع على سوريا- إضافة إلى سياق الصراع "الروسي الأمريكي" على أوكرانيا، في غمرة السباق التنافسي الروسي الأمريكي على الهيمنة الإقليمية بشكل عام، ومصادر الطاقة بشكل خاص، والتركيز على الأهميّة الإستثنائية للمنطقة، قلب منطقة الشرق الأوسط حيث مثلث النفط والغاز الإستراتيجي العالمي، في تحديد مستقبل مشاريع التحالفات الجديدة في العالم، خاصّة في سياسات الولايات المتّحدة وروسيا، وإن السيطرة على ثروات المنطقة، وأوراق القوّة الهائلة التي تملكها في موازين قوى الصراع العالمي، هي حجر الزاوية في نجاح خطط وسياسات السيطرة الأمريكية على أوروبا والعالم. أوّلا، في قمّة طهران: ١- في سياق الصراع على أوكرانيا، يأتي هاجس الطاقة في رأس أولويات الرئيس الروسي؛ الذي تخوض حكومته معركة ضروس في كلّ من طهران والرياض بشكل خاص، في محاولة لتفشيل مساعي واشنطن لتخفيض أسعار النفط والغاز، عبر زيادة نسب صادرات دول المنطقة من النفط والغاز إلى أوروبا، وبما يحول دون نجاح سياسات روسيا لإستخدام هيمنتها على مصادر الطاقة الأوربية، بما يُزيد من مواردها المالية، ويعزّز وسائل "انتصاراتها" في الحرب على أوكرانيا. في نفس الإطار من جهة ثانية، من الطبيعي أن تشغل حيّزا مهمّا من المباحثات بين الرئيسين الروسي والتركي قضيّة "الوساطة" التركية لإنجاح جهود صفقة روسية /أوكرانيا، تسمح بالتصدير الآمن للقمح الأوكراني عبر البحر الاسود.٢- في سياق الصراع على سوريا، إن الهدف الرئيسي "لقمّة طهران" بين القوى الرئيسية المتورّط في حروب تقاسم الحصص ومناطق النفوذ في سوريا، المستمرّة منذ ٢٠١٥، هو الوصول إلى "صفقة سياسية"، تلبّي ما يضعه النظامين الإيراني والروسي من شروط، مقابل إعطاء النظام التركي الضوء الأخضر لتنفيذ حملته العسكرية الخامسة، والتي تستهدف، كما هو مُعلن إلحاق "منبج وتل رفعت" و "عين عيسى" بجغرافية "المنطقة الآمنة" التي تعزم تركيا إقامتها على إمتداد ما يقارب ٤٥٠ كم، بعرض يصل إلى ٣٢ كم، على إمتداد تخومها الجنوبية مع سوريا؛ رغم أننا لا نعرف بالضبط حقيقة ما اتفق عليه العاملون على "مسار أستانا" في نسختها الأخيرة، لكن يمكننا أن نتوقّع أهمّها من خلال رصد نتائجها الملموسة!».
ضمن هذا السياق يتابع شيخموس: «مع ملاحظة أنّ أبرز أحداث اليوم التالي لنهاية القمّة أتت على شكل "رسائل دموية "- في موقع سياحي، في منطقة زاخو، محافظة دهوك، التابعة لإقليم كوردستان العراقي، حيث استهدفت تركيا بهجمات صاروخية منتجعا سياحيّا، والهجوم الروسي على موقع "الجسر" من منطقة "خفض التصعيد" الإدلبية، وراح ضحيتها عشرات المدنيين، نساء وأطفالا، وما واكبهما من تصريحات غير مطمئنة - يمكن الإعتقاد بفشل المتصارعين على اقتسام الجسد السوري في الوصول إلى "صفقة سياسيّة"، تلبّي شروط الجميع!!. ان امتلاك تركيا ورقة حزب العمال الكردستاني كأهم ورقة تستخدمها في كافة مشاريعها العصرية على المستويين الاقليمي والدولي، ربما يكون الأخطر على سوريا والعراق وإقتطاع أجزاء منها وضمها إلى الخريطة التركية، والتهديد الجدي على مستقبل كوردستان سوريا والعراق، وخاصة ما لها من انعكاسات على قضية الشعب الكُردي في كوردستان تركيا والتي تملك أكبر أجزاء كوردستان مساحة وسكاناً».
يعتقد شيخموس: «أنّ الصراع الروسي/الأمريكي في أوكرانيا، وحول قضايا الطاقة والسيطرة الإستراتيجية على أوروبا، لن ينعكس مباشرة على علاقات البلدين حول الصراع السوري، التي تميّزت طيلة سنوات الصراع بعمق الشراكة في الأهداف، والتنسيق في الوسائل، وليس من المتوقّع أن يتجاوز السجال السياسي الذي أطلقه الروس بضرورة انسحاب الولايات المتّحدة، وإعادة بسط سلطة النظام على كامل الجغرافيا السوريّة، مستويات الدعاية السياسية. على أيّة حال، ربّما يكون "نجاح" قمّة طهران في عدم الوصول إلى تفاهمات صفقة، تُعطي الضوء الأخضر لتركيا بإطلاق عملية عسكرية جديدة، حافزا لإنجاح جهود موسكو وطهران في التقريب بين أنقرة والنظام من جهة، وبين النظام وقسد، من جهة ثانية، بما يُعيد رسم المشهد السياسي السوري على صعيد الشمال السوري، وعلى المستوى السياسي العام، على حساب مصالح واشنطن وأوراق هيمنتها، وقد يكون وصول وزير خارجية النظام إلى العاصمة الإيرانية، حتّى قبل مغادرة الوفود، مؤشّرا كبيرا على ما قد تحمله الأيام والأسابيع القليلة القادمة من تغيّرات في قواعد اللعبة الأمريكية؛ دون أن ننسى للحظة واحدة قدرة واشنطن على خلط الأوراق، وقلب الطاولة على رؤوس الجميع!!».
يضيف شيخموس: «إنّ تأجيل تنفيذ خطط الحرب، كما هو مرجّح، انتظارا لفرصة أخرى - وما قد يؤدّي إليه من رفع وتيرة التهديدات التركية، وما يقابلها من تصعيد إعلامي قسدي، وتبادل المزيد من رسائل الموت والدمار، سواء على صعيد المواجهة المباشرة بين قسد وتركيا، أو الغير مباشرة مع إيران وروسيا؛ في محاولة كلّ طرف لتحسين شروطه في صفقة سياسية قادمة -قد يُعطي الولايات المتّحدة فرصة لتقويض فرص إرتقاء التنسيق بين أطراف قمّة طهران إلى مستويات تتجاوز خطط وسياسات السيطرة الأمريكية. ثانيا، في قمّتي القدس وجدّة!، يتفق معظم المتابعين لمجريات قمّتي القدس وجدّة تركيز الرئيس الأمريكي على عدّة قضايا، غير مرتبطة مباشرة بأحداث الصراع الراهن بين تركيا من جهة، والولايات المتّحدة وروسيا وإيران من جهة ثانية، حول مناطق جغرافية محددة؛ دون أن يخرجها هذا عن نتائج الصراع، وعوامل سياقه التاريخي، الممّتد منذ ٢٠١١».
يردف شيخموس: «مع انتهاء المعارك الكبرى في الصراع على سوريا خلال ٢٠٢٠، تسعى الولايات المتّحدة لرأب التصدّعات في علاقاتها مع حليفيها الرئيسيين، الإسرائيلي والسعودي، بما يعوّض الدولتين عن بعض ما أصابهما من أضرار مادّية ومعنوية نتيجة ما حققته أدوات المشروع الإيراني من تمدد إقليمي في مناطق كانت تاريخيا حكرا على سياسات سيطرة النظاميين من جهة، وبما يحضّر الأجواء لخطوات دمج "النظام الإيراني" في المنظومة الإقليمية، التي ستطلقها إجراءات توقيع "اتفاق نووي"، أصبح على رأس أجندات الولايات المتّحدة والنظام الإيراني؛ ولا يغيّر من واقعية هذه الأهداف ما تطرحه الدعاية الأمريكية من سعيها لإقامة "تحالف إقليمي"، لمواجهة "الخطر الإيراني" من جهة، وأخطار "حرب باردة" جديدة، ناتجة عن تصاعد سياسيات روسية / صينية، للسيطرة على المنطقة والعالم!!. في قمّة القدس وفي قمّة جدّة الخليجية أيضا، حرص الرئيس الأمريكي على إطلاق حزمة من الوعود والتعهدات، رغم إدراكه بما آلت إليه المصداقية الأمريكية من ضعف وهشاشة. التعهّد بعدم السماح لإيران بإمتلاك سلاح نووي، وتقديم مساعدات تنمويّة وعسكرية تقنية، وعقد صفقات أسلحة متطوّرة، خاصة للسعودية والإمارات. مع كلّ هذا، يعتقد البعض بفشل الرئيس الأمريكي في إقناع محاوريه الإسرائيليين بأهمية استمرار التعويل على الوسائل الدبلوماسية لمواجهة الخطر النووي الإيراني، كما في إقناع محاوريه في قمّة جدّة بوجود أخطار حقيقية لأقطاب عالمية، روسيّة وصينيّة تستدعي وقوف الجميع صفّا واحدا في مواجهته، على غرار تحالفات الحرب الباردة ضدّ الإتحاد السوفياتي، بما يجعل من الحديث عن نجاح أهداف المشروع الأمريكي الشرق أوسطي الجديد مشكوكا بصدقيته!!».
يؤكد شيخموس: «صحيح أنّ خطوات التطبيع السعودي /الإسرائيلي قد حققت بعض التقدّم الملموس، لكنّها بطيئة جدّا، ولا تستطيع إخفاء هذا الفشل الأمريكي الواضح في البحث عن إقامة تحالف ناتويّ عربي أو عربي /إسرائيلي، في مواجهة محور إيراني /روسي /صيني؛ شكّل الترويج له مادّة إعلامية ساخنة على عدّة مستويات، جعل البعض يعتقد بأنّه الهدف الرئيسي لجولة الرئيس الأمريكي في الشرق الأوسط!. على الصعيد العلاقات التركية /الأيروروسيّة، من المستبعد أن تقدم تركيا على تنفيذ تهديداتها في مواجهة مباشرة مع روسيا والنظام وإيراني، كما حصل في مطلع ٢٠٢٠، ودفع ثمنه الجميع أثمانا باهظة. استمرار حالة التوتر، وتزايد محتمل للعنف، يبقى واردا في ظل غياب شروط توافق حول تحقيق أهداف المشروع الأمريكي، الساعي لتأهيل متزامن لسلطات الأمر الواقع وبما يفترض أن يؤدّي إليه من حالة تهدئة شاملة، تؤسس لحالة استقرار مستدامة».
يختم شيخموس: «وفي مواجهة تحدّيات جمّة، يتوجّب على الأحزاب والقوى السياسية الكُردية توحيد السياسات والمواقف، والوصول إلى ما يقارب العقد السياسي الوطني، يجعل من مناطق الإدارة الذاتية مكانا آمنا للعيش والنشاط السياسي الحر، وفرصة لجميع مكوّنات الشعب السوري لتحقيق نهوض شامل، على جميع الصعد والمستويات، تحوّل الإقليم إلى ما يشبه حالة كوردستان العراق. من المؤسف الإعتراف بأن السياسات الإقصائية والعدائية التي تمارسها قيادة ب ي د. ما تزال أكبر العقبات الداخلية، وما تزال سياساتها الخارجية توفّر ظروف ومبررات حالة حروب وصراعات إقليمية، تلقي بظلالها على حياة الناس اليومية، وتمنع توفير مقوّمات نهضة إجتماعية، إقتصادية شاملة. بل أن هذه السياسات في النهاية تخدم المشروع التركي في استخدام ورقة حزب العمال الكُردستاني والاستمرار في التهديد في إقتحام المناطق الكُردية السورية».
مصلحة كل دولة وفق مبادئها
تحدث عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا، عبدالباسط حمو لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «في هذه الفترة الأخيرة تسارعت الأحداث، ونشطت حركة دبلوماسية دولية وإقليمية مكثفة، وعلى ضوئها حصلت اجتماعات وتجاذبات واصطفافات مفصلية ما بين الأقطاب المتناحرة، واشتدت المنافسة في المنطقة على التفوذ والجغرافيا، التي تقودها كل من أمريكا وروسيا على حد سواء، للوصول إلى تحالفات استراتيجية ومصالح مشتركة، التي أفرزتها تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، حيث تمخضت التطورات الأخيرة في العلاقات الدولية والإقليمية في منطقتنا إلى انعقاد قمة جدة في السعودبة برعاية امريكا، وقمة طهران بإيران برعاية روسيا، وان كانت تهدف كلتا القمتين إلى عناوين محددة بحد ذاتها كما تناولتها وسائل الإعلام، لكن في الحقيقة تهدف إلى استقرار وتعزيز رؤية استراتيجية مستقلبية في تشكيل تحالفات مصيرية مشتركة، خاصة وانه قد إحتدم الصراع وإنتقل ولو بشكل مؤقت في هذه الفترة إلى ساحة الشرق الأوسط، والتي تهدف هذه اللقاءات إلى تعزيز الشراكة، وإيجاد بدائل للطاقة والتعاون المشترك لمواجهة ما ستؤول إليه تداعيات الحرب في أوكرانيا، وانشغال العالم بفقدان الطاقة ونقص في الأمن الغذائي دون معرفة وإدراك إلى ماذا تصل إليه من النتائج وكيفية تكون النهاية؟ والذي كما اشار إليه كسينجر منظّر السياسة الأمريكية، حينما قال بما معناه انه يمكن البدء بإشعال الحروب لكن لا أحد يستطيع التحكم بها والتخمين متى ينتهي؟ وكيف تتوقف؟، لا شك تصدرت عناوين هاتين القمتين الأمن والاقتصاد والتجارة والتعاون المشترك بشكل علني، لكن الهدف الاساسي منها هو فرز الحلفاء والاصدقاء في تحصين المواقع والتموضع وإعادة النظر للرؤية المستقبلية وإتخاذ القرار إلى أي حلف ينتمي، وأين يكون موقع هذه الدول الإقليمية من الصراع العالمي الجديد؟».
يتابع حمو: «لم يعد مفهوم مواقف التردد والحيادية من الصراع مقبولاً، ويبعث بالقلق وعدم الإرتياح لدى كل من أمريكا وروسيا والصين من ورائها, لقد كانت زيارة بايدن استراتجية بكل المقاييس رغم الإختلاف والتهميش لبعض القضايا، نستطيع القول بأنها حققت ما أرادتها أمريكا من منظور مستقبلي، وإن لم تظهر ملامح ذلك بشكل واضح، وإن كان يبدو لدى البعض بأنه لم تكن بالمستوى المطلوب وناحجا في الاستقبال والوداع، لقد جددت أمريكا دعمها الاسترايجي لإسرائيل في إعلان القدس، واستطاعت أن تجمع الحلفاء على طاولة واحدة، وشكلت إطار للناتو العربي المطروح من قبل ملك الأردن بداية، وتم التأكيد على التنسيق والتعاون لمواجهة تمدد إيران وأذرعها في المنطقة، وباتت إيران في مرمى الرحى ضمن الهدف الاستراتيجي لأمريكا وإسرائيل وحلفائهما الأوربيين والعرب، رغم إختلاف وجهات النظر في التوقيت والآليات، وتم الإتفاق على رؤية وبرنامج ورؤية مستقبلية استراتيجية، وهذا ما أكده بايدن في معرض كلمته بقمة جدة لن نترك المنطقة لروسيا والصين، أما ما جاء في قمة طهران وإن كان بعنوان تحت اسم مسار استانا، لكن كل طرف كان يريد أن يحقق مطالبه وتنفيذ أجندتها، وكانت سوريا ضمن أولويات الاساسية في هذه القمة، لكن لم يحصل الإتفاق بشكل كامل خاصة ما كانت تريده تركيا، لكن في الوقت نفسه استطاعت ان تحقق مكاسب اقتصادية وتجارية مع إيران، والتأكيد بلعب دور وسيط مهم في أزمة أوكرانيا وغيرها، حيث بقي موضوع التدخل في شمال سوريا وكوردستان سوريا قائما إلى أجل غير مسمى وفق ما تمت في التفاهمات غير العلنية، بداية تكون في تفكيك دور قسد وحلها ضمن جيش نظام الأسد على مراحل وإبعاد ب ك ك وب ي د إلى عمق ٣٠ كم على مراحل، لقد استطاعت تركيا أن يكون وسيطا دوليا مهما ورئيسيا في نقل الحبوب لتلافي الأزمة للأمن الغدائي العالمي من خلال معابر تركيا بوسفور ودردنيل من بحر الأسود إلى أوروبا وبإشراف أمين عام الأمم المتحدة وبموافقة أمريكا وروسيا، وكما أيضا حققت روسيا ان تقرب أكثر ما بين تركيا وإيران، وأرادت أن تقول للبعض ما كانت تهدف إليه بأن روسيا قوية ولن تهتز أمام التحديات والعقوبات من خلال القول، وبعث برسالة إلى أوروبا وأمريكا بأن تحالفها مع دول شرق أوسطية متل إيران وتركيا متماسكة وعميقة، وتربطهم مصالح مشتركة وتفاهمات قوية، ولا سيما بشكل خاص دعمها ومساندتها لإيران، والتعاون العسكري و في الإتفاق النووي، وكذلك بمقدورها والتعاون مع إيران وأذرع إيران في المنطقة، في إمكانية فشل ووقف مخطط إيجاد خط أنبوب الغاز البديل للغاز الروسي من الخليج وكوردستان ومصر والأردن والعراق عبر تركيا إلى أوروبا».
يضيف حمو: «في خضم هذه الأحداث يبقى ملف سوريا ثانوياً ولم تعر له الإهتمام، لا سيما رفض وفد النظام الذهاب إلى جنيف بدعم روسي وتأجيل إجتماع اللجنة الدستورية التاسعة، وتصريح بوتين بإن حل الأزمة السورية يجب أن تكون بأيدي السوريبن وفي دمشق، رغم ما جاء في بيان القمة التأكيد على حل الأزمة وفق قرار ٢٢٥٤ ، وقراءات ذات الصلة، لكن يبقى هذا الطرح للاستهلاك الدبلوماسي والإعلام لا أكثر، لا سيما وأنه لم يصوت روسيا على تمديد دخول المساعدات عبر باب الهوى سوى أكثر من ستة أشهر كورقة صغط على تركيا، وعدم الرضوخ للفيتو الفرنسي والأمريكي والبريطاني، كما أنه وخلال الفترة المقبلة، وما ستتمخض عنها نتائج كلتا القمتين ستتضح أكثر ما كان معلن في المؤتمرات الصحفية، وما كان مخفي ومستور في الغرفة المغلقة، والتي تبقى هي الأساس والمهم في الحكم على هكذا قمم، من إتفاقيات وتفاهمات، لا كما تتداوله وسائل الاعلام من تحليلات وتقارير في نشرات الأخبار في إلهاء الشعوب وتضليلها وإبعادها عن الحقيقة، التي كانت السياسة عبر التاريخ وحتى الآن، وفي كل مرحلة مستقبلية ستبقى قائمة على المصالح لا على المبادئ والقيم الأخلاقية لا كما يدّعي الساسة والقادة بالحديث والكلام الدبلوماسي، ولكل دولة مصالحها وفق مبادئها لا كما تتأمله العواطف وتقارير حقوق الانسان».
ضرورة أن تخلو سوريا من أي قوى غير سورية
تحدث عضو اللجنة السياسية لحزب يكيتي الكرُدستاني- سوريا، نزار موسى لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «توالت في الآونة الأخيرة عالميا أحداث متسارعة في وتيرتها وتأثيرها، أثرت بدورها في منطقة الشرق الأوسط كما غيرها، فامتداد الإصطفافات التي باتت تتكشف وبدون مقدمات تهيأ لها، دعت بالرئيس الأمريكي بايدن إلى العمل على تعزيز منطقة الناتو في مواجهة الدب الروسي، الذي لم يلبث وأن عاند حرصا على أمنه القومي ونفوذه كقوة عظمى، فأدخلت نفسها في صراع إستنزاف مع الغرب ككل، وبدأ بتفاهم مع التنين الصيني بتعزيز مصالحه مع إيران أكثر مما مضى، ليقبل بدوره على التوجه كبايدن إلى الشرق الأوسط لتعزيز مواقعه، محاولا كذلك في مغازلة الخليج العربي، في محاولة منها لإجهاض جهود بايدن في تحركاته الخارجية، والهادفة لتخفيف وطأة إطالة أمد النزاع في أوكرانيا على حليفتها العجوز أوربا».
يتابع موسى: «ما ميز هذه الفترة وخاصة في لقاء طهران، هو الموقف الصريح للقمة الثلاثية من التواجد الأمريكي في سوريا، وإعطاء روسيا ذاك الدور الدولي لتركيا، في أن ترعى الإتفاق مع الأمم المتحدة في السماح لمرور شحنات الحبوب عبر مناطق الصراع على أوكرانيا إلى العالم، تجنبا لأزمة لا تحمد عواقبها على العالم ككل ، في محاولة واضحة لكسب تركيا وإطماعها لابل وتحييدها تماما في الصراع، في حين لمح بايدن وقبيل زيارته للمنطقة بالعمل مجددا على إحياء ناتو شرق أوسطي، تحسبا لامتداد الصراع الاستنزافي إلى أبعد من ساحتها الحالية، وإختياره للسعودية مكانا للقمة في إصلاح لما أهمل من العلاقة مع السعودية في أعقاب حملته الإنتخابية، وتطمين الحلفاء البقية في ظل الغياب الإسرائيلي والإيراني الظاهر للقمة».
يضيف موسى: «على الساحة السورية، يظهر التناقض في صعوبة إحقاق تحييد اللاعب الإقليمي الأساسي في ضفتي الفرات تركيا، كونها تتلقى دعم أمريكا في الشمال الغربي السوري ، وكذلك في قضية المنفذ الدولي هناك، ومن ناحية أخرى تتباين مع أمريكا في دعمها الأخير لقسد في المنطقة، أما روسيا فتختلف مع تركيا في سوريا حول مدى نفوذها على الشريط الحدودي لصالح النظام السوري، وكذلك في قضية معبر باب الهوى الواقع تحت سيطرة الفصائل القريبة من تركيا، والتي أجلت في مداولاتها أمميا، ومددت فقط لمدة ٦ أشهر، في ظل إنعدام أي تقارب في الرؤى بين الفاعلين، وخاصة بعد إنتباه تركيا وأمريكا للنجاح الذي حققته روسيا في سوريا، عبر سلاح الحصار والتجويع والإعداد لمصالحات إستسلامية، في كسب المعارك على الأرض».
يوضح موسى: «أن الأزمة الأوكرانية أطالت من أمد الأزمة السورية لابل وأثرت فيها سلبا، مع زيادة حدة الصراع والتباعد بين القطبين، وفقدان بوادر الإلتقاء حاليا على القضايا الخلافية فيما بينها، وخاصة الثانوية منها، وتدحرج الملف السوري في سلم الأولويات لديهم، لتبقى الأنظار موجهة نحو اللاعب الأساسي بين القوتين الرئيسيتين الفاعلتين على الخريطة السورية، في أن تمرر البعض من أهدافها في مرمى الانشغال الأوكراني، وخاصة بعد تحول في الأولويات السياسية لكل من بايدن وبوتين، وأن تستمر تركيا في إضعاف نفوذ قسد في المنطقة، وهذا مالن يلقى معارضة فعلية من أصحاب النفوذ الرئيسيين في المناطق التي تديرها قسد».
يتطرق موسى: «المهمة في سوريا وعلى ما يبدو، قد وكلت للوكلاء مؤقتا، وهذا ما ينبئ بالمؤشر التصاعدي للتصعيد على الساحة السورية، في ظل تآكل التماسك المجتمعي والكياني فيها، وخاصة في ظل بقاء القوى العسكرية المتصارعة على تركة داعش، نفسها من تتقاسم الإدارة في المناطق المختلفة في سوريا، وعدم وجود نموذج ناجح لأي منها كجزء من الكل السوري، في ظل الحاجة لحل سوري جامع، لكل المناطق الداخلة والخارجة عن كنف النظام السوري، كذلك الحال في شرقي وغربي الفرات وتعميم الحالة عليها أيضا، لا بل والتفاهم المبطن لأغلب القوى الفاعلة في إضعاف قسد تباعا مع الوصول للحل السوري العام، لتلتقي النتيجة بمثيلاتها على الساحة السورية، في ضرورة أن تخلو سوريا من أي قوى غير سورية في إيديولوجيتها، من إحدى البنود الأساسية لأي حل مرتقب لسوريا المستقبل، وهذا مايستدعي فعلا من القوى الكردية في أطر المعارضة السورية، أن تناسب مشروعها الوطني بما يتناسب مع المرحلة، مع العمل على حفظ الخصوصية الكردية ومقوماتها في الحل السوري المرتقب».
حدود الدولة السورية لم تعد حدوداً، ولا أحد يقيم لها أي وزن
تحدث الكاتب والسياسي، جميل ابراهيم لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «تشهد منطقة الشرق الأوسط، منذ أكثر من عشر سنوات، أحداثاً عميقة التأثير ومتنوعة الآثار في الأوضاع التي كانت سائدة في المنطقة، أحدثت تغييراتٍ مهمةً في العديد من دول المنطقة، غير أن هذه التغييرات لم تؤد إلى استقرار المنطقة عموماً، على الأقل حتى الآن، ولا إلى تحقيق ما كان يؤمل منها، وما كان يتردد على ألسنة من تقدموا صفوف المشاركين في تلك الأحداث من غايات وأهداف مبتغاة ومطلوبة من جانب جماهير شعوب المنطقة، فالصفة الأبرز لهذه الأحداث كانت الفوضى العارمة والعنف الشديد، والابتعاد عن الأهداف المعلنة أو الانقلاب عليها والانحراف عن الطريق القويم والسلوك السليم "للعمل الثوري"، مما أدى تشابك هذه الأمور إلى تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي، وخلق صعوبات جمة وغير متحملة لحياة ومعيشة الناس في أغلب المناطق التي شهدت ولا زالت تشهد تلك الأحداث، كما هو الحال في سوريا والعراق وليبيا واليمن والسودان، وهذه المناطق تتعرض لمخاطر كبيرة وتشكل بؤراً ساخنة وملتهبة، ليس من الواضح مآلها ومصيرها، وبات من الصعوبة بمكان تقييم وتحديد متى وكيف وإلى أين ستنتهي هذه الأحداث؟؟».
يرى ابراهيم: «ان التنافس بين الشرق والغرب قديم، وخاصة بعد الحربين العالميتين، وقد اشتد هذا التنافس بين روسيا، من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية عامة، من جهة أخرى، بشكل ملحوظ إثر الحرب الروسية على أوكرانيا، وتحول هذا التنافس إلى ما يشبه الحرب الغير مباشرة بين الطرفين، لذلك فإن اجتماعَي الرياض وطهران ما هما إلا منعكسان لهذا التنافس، ففي زيارته إلى المنطقة، أراد الرئيس الأمريكي إنشاء حلف أو محور من دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن والعراق لمواجهة ايران ونشاطاتها ونفوذها في المنطقة، ولضمان أمن وسلامة المنطقة، وحرية الملاحة في مياه الخليج والطرق البحرية الأخرى، إضافة لما أعلنه بايدن بأن أمريكا ستدعم وتزيد تواجدها في المنطقة، ولن تتركها لقمة سائغة لإيران وأذرعتها في الجوار، وبالرغم من أنه يصعب القول أن بايدن لم ينجح في مهمته، إلا أنه يمكن ملاحظة أن ما نجم عن الزيارة كان باهتاً، أو لم يكن كما كان مأمولاً، وجاء اجتماع طهران الذي كان ظاهره وكأنه امتداد لاجتماعات آستانا، جاء هذا الاجتماع في محاولة من روسيا لتشكيل حلف أو محور مواجه لأمريكا وحلفائها، بل لمواجهة مخاوف الدول الثلاث مما تخططه أمريكا والدول الغربية لمستقبل الشرق الأوسط، وبالدرجة الأولى في الملف السوري، وربما العراقي أيضاً، إذ إنه لا يخفى على أحد أن تركيا وإيران مهما احتدت خلافاتهما وتضاربت مصالحهما حول الهيمنة وبسط النفوذ في المنطقة أو غيرها، فإنهما سرعان ما تتفقان وتتوافقان بشأن القضية الكُردية، تتعاونان وتتوحدان، في السر والعلن، في التصدي لتطلعات الشعب الكُردي في التحرر من الظلم والاضطهاد، ونيل حقوقه المشروعة، وتمتعه بحقه في تقرير مصيره كباقي شعوب العالم، وجدير بالقول إن اجتماع طهران لم يحقق ما كان ترمي إليه الدول الثلاث، ولم يلب مطالبها، وإذا كان الملف السوري حاضراً في القمتين، فإن ملف إيران النووي كان هو الآخر في صدارة جدول العمل فيهما، وخاصة خلال زيارة بايدن لإسرائيل».
يضيف ابراهيم: «إنه من الممكن القول، وبناء على ما تقدم، لا يبدو أن تغيراً جوهرياً سيحدث على الأرض السورية في القريب من قادم الأيام، بالنسبة لتواجد القوى الدولية هناك، رغم المحاولات التي تبذل لزيادة مساحات نفوذ نظام الأسد، بإسناد روسي وتعاون من جانب "قسد" وأولي أمرها، وذلك بالاستفادة من، وباستغلال التهديدات التركية باجتياح جديد يهدف لاحتلال مناطق أخرى موازية لمناطق عفرين وكري سبي وسري كانيي، فالتواجد الأمريكي والتحالف الدولي سيبقى كما كان وربما يتزايد، وكذلك التواجد الروسي والإيراني أيضاَ، وهذا ما يحول دون تنفيذ التهديدات التركية، التي قد تكتفي بعمليات قصف مدفعي من بعيد، وإرسال طائرات الدرون لتنفيذ عمليات اغتيالات هنا وهناك».
بعد كل ما حدث ويحدث، يؤكد ابراهيم: «انه من الصعوبة بمكان، إن لم نقل من المستحيل، أن تبقى سوريا كدولة بحدودها السابقة، وبنظرة بسيطة إلى الواقع السوري، وما يجري على الأرض، يتضح لنا أن حدود الدولة السورية لم تعد حدوداً، ولا أحد يقيم لها أي وزن أو اعتبار، وكل القوى المتواجدة في سوريا، وخارجها أيضاً، وكذلك الدول المجاورة تنتهك هذه الحدود، تصول وتجول في الأراضي السورية بكل سهولة، تحتل الأراضي كيفما تشاء، تنشئ مراكز وقواعد أينما أرادت، حسب قدراتها القتالية، وبقدر ما تستطيع وضع يدها عليها وهلم جرا، ولهذا فإن مستقبلها مرهون بقدرة كل طرف من هذه الأطراف على التحكم بها بهذا القدر أو ذاك، أو بما قد تتفق تلك الأطراف عليه مجتمعة، لايفوتنا القول بأن مستقبل سوريا ومصير ومآل الأحداث فيها مرتبط إلى حد كبير بالموقف الأمريكي الذي مازال غير واضح، فهي لم تفصح بعد عن خطتها واستراجيتها بشأن سوريا ومستقبلها، وبالتالي كذلك الموقف الأوربي مازال غير واضح أو غير معلن».
يتابع ابراهيم: «أما عن مستقبل غربي كُردستان، ومآل ومصير القضية الكُردية فيها، فهو استراتيجياً مرتبط بمآل ومصير القضية الكُردية عامة، وكيف سيتم التعامل معها وحلها من جانب المجتمع الدولي والقوى العظمى خاصة، ومما لا شك فيه أن الدور الأمريكي له بالغ التأثير في هذا الأمر، وهنا نعود مرة أخرى إلى مسألة عدم وضوح الرؤيا، أو عدم الإفصاح عن استراتيجية أمريكية واضحة ومحددة بهذا الصدد، بل وبما يتعلق لمنطقة الشرق الأوسط عموماً».
إلى ذلك، يضيف ابراهيم: «إن الموقف الأمريكي من مستقبل غربي كُردستان يتأثر، بهذا القدر أو ذاك، بالسياسة التي يمارسها حزب الاتحاد الديمقراطي (التابع كلياً لحزب العمال الكُردستاني) في غربي كُردستان، وخاصة سلوكه الذي أدى إلى عدم نجاح المبادرة الأمريكية-الأوربية في التوصل إلى اتفاق يجمعه والمجلس الوطني الكُردي في سوريا، والإعلان المتكرر من جانبه ومن جانب قادة PKK عن رفضهم ومعاداتهم لأي كيان كُردي، وهذا في حقيقة الأمر معاداة لكل ما من شأنه أن يؤدي إلى تحقيق أية مصلحة أو منفعة للشعب الكُردي وقضيته العادلة».
يرجح إعادة النظر في الحدود السايكسبيكوية
تحدث عضو الهيئة الاستشارية للحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، شريف علي لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «الشرق الأوسط كان ولا يزال محط أطماع القوى الغريبة منذ أزمان بعيدة سبقت الميلاد بآلاف السنين، وما نشهده اليوم من الصراعات الدائرة في هذه المنطقة التي باتت تعاني لعنتي الطاقة والموقع الجغرافي، سوى تداعيات لأحداث ومستجدات على الساحة الدولية، بدأت بالظهور مع صحوة الاتحاد الروسي من صدمة إنهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومة ما كانت تسمى بالمعسكر الإشتراكي وحلفها العسكري (وارسو)، حيث صعدت من سعيها لإعادة نفوذها الدولي كقوة عظمى بشتى الوسائل بما فيها التدخلات العسكرية كما حصل في جورجيا والشيشان وشبه جزيرة القرم وسوريا وأخيرا غزوها العسكري لدولة أوكراينا، وهو ما أوصل الصراع بينها وبين البلدان الأوربية وأمريكا التي وقفت إلى جانب أوكرانيا إلى ذروته، وهذا بدوره إنعكس على خارطة الإصطفافات الدولية، وألقت بظلالها على مجمل الأوضاع الاقليمية والعالمية ومنها الشرق الأوسط الذي نال النصيب الأكبر، ذلك لأمرين أساسيين يعتبران بذرة الصراع في العصر الحديث وهما ( الطاقة والموقع الجغرافي )، وبالنظر لتفاقم الأزمة الأوكراينية، ووتعدد اتساع مجالات المواجهة كانت صداها في مناطق المواجهات غير المباشرة ومن ضمنها الشرق الأوسط، حيث الصراع شمل مناطق النفوذ والغنية بالثروات والذات الأهمية الاستراتيجية في عملية المواجهه المحتملة واسعة النطاق وبوتيرة متسارعة، ما جعل الأحداث تتسارع هنا في الشرق الأوسط وتحديدا في كوردستان الغربية الممتدة على طول الحدود مع تركيا وصولا إلى المناطق الشمالية من كوردستان الجنوبية، حيث التماس المباشر بين القوات الروسية والأمريكية إلى جانب ما تبديه تركيا من السعي للسيطرةعلى المناطق الكوردستانية، وإعادة بناءها الديموغرافي بمعايير تركية».
لا يعتقد علي: «بأنه يمكن الفصل بين إنعقاد القمتين، لأكثر من سبب، وكلاهما انعقدتا لذات البعدين الأمني والاقتصادي، فإذا جاءت قمة جدة بطلب أمريكي لترميم محور حلفائها في إطار ما سمي بالناتو الشرق أوسطي يضم دولة إسرائيل لمواجهة المشروع التوسعي الروسي والايراني، جاءت قمة طهران ـ النسخة المحدثة لأستانا برغبة ثلاثية من الأطراف المشاركة، حيث روسيا أرادت منها توجيه رسالة إلى الغرب بأنها لا تزال محتفظة بحضورها القوي في المنطقة وتجاوز خلافاتها مع إيران، ومحاولة إستمالة أو على الأقل تحييد ـ تركيا أكبر أعضاء الناتوـ على حدودها في حربها على أوكرانيا، بينما أرادت إيران كسب الود الروسي كصديق قوي داعم في مواجهتها للغرب، ولتثبيت ما يمكن ان نسميه قواعد الإشتباك في سوريا كحد أدنى، في حين كان المسوغ التركي هو إنتزاع الموافقة الروسية والإيرانية لتنفيذ عمليتها العسكرية في شمال سوريا. وإذا كانت الأولى لتأمين زيادة إنتاج النفط مع تزايد الطلب على مصادر الطاقة من الغاز والنفط في أعقاب العقوبات الغربية على روسيا، والسعي لإيجاد مصادر بديلة في منطقة الخليج وشمال إفريقيا، كان الثاني لحض الطرف الإيراني على مواجهة أية قرارات من الأوبك بهذا الشأن والاستمرار في رفض المطالب الغربية فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني وبناء شراكة إقتصادية لتخفيف عبء العقوبات الغربية، وتبادل الخبرات مع الطرف الإيراني في مجال التحايل على العقوبات إلى جانب التقايض مع تركيا بشأن المرور الروسي الآمن عبر الممرات البرية والبحرية والجوية التركية. يبقى وجوب التذكير بالملف الأكثر سخونة وهو التواجد الأجنبي في سوريا، وهذا بإعتقادي حسمه الرئيس الأمريكي بايدين في كلمة له قبيل التوجه إلى السعودية إنطلاقا من إسرائيل بتأكيده ليس على استمرارية التواجد الأمريكي في سوريا خاصة ما تسميه بشرق الفرات فحسب بل تعميق ذلك التواجد، وهو ما كان محل عدم إرتياح أطراف قمة طهران، وإن كانت من زوايا مختلفة».
يتابع علي: «سورية بجغرافيتها القائمة باتت مسرحا لحروب بالوكالة والخاسر الأكبر بل الوحيد هو الشعب السوري عموما والكوردي منه على وجه الخصوص، لإنحسارساحة الصراع في المناطق الكوردستانية وهو ما يجعل المنطقة بشعبها وثرواتها جزءا من المقايضات الدولية وبشراكة إيرانية تركية المتسارعة على مد نفوذها على المناطق الكوردستانية، هذا ما كان مصدر التناقض الذي برز في الكلمات الختامية لقمة طهران حيث الإصرار التركي على الإستمرارفي تنفيذ مشروعها الإحتلالي في الشمال السوري جوبه برفض إيراني قاطع وروسي متناغم مع كلا الطرفين على أرضية متناقضة لمفاهيم مكافحة الإرهاب والجماعات المصنفة إرهابية، والحفاظ عل وحدة الأراضي السورية والسيادة السورية، فما تراها تركيا إرهابية، مدعومة إيرانيا وسوريا، وما تراها إيران وروسيا إرهابية مدعومة تركيا، وما تراها تركيا حق مضمون في إتفاقية أضنة الذي اثبتته مجددا في إجتماع طهران تراها إيران إحتلال وتعدٍ على السيادة السورية، هذا في الوقت الذي تتقاسم فيه إيران وروسيا وأمريكا وتركيا السيادة على مجمل الأراضي السورية بشكل أو بآخر، بما يعكس مشهدا سوريا متوترا على الصعيدين الميداني والسياسي وينذر بمرحلة قادمة تشهد تغيرات في أدوار اللاعبين على الساحة السورية وحتى اللاعبين أنفسهم».
يضيف علي: «الشرق الأوسط عموما وسوريا بالتحديد أمام تغيرات جذرية وما هذه التحركات سوى خطوات أولية نحو مشروع أوروبي أمريكي للمنطقة مرتبط إلى حد بعيد بنتائج الغزو الروسي لأوكراينا ومستقبل الصـــراع الروسي / الغربي المحتدم هناك، وكما اسلفنا بأن ساحة الصراع الدولي في سوريا بات منحسرا في المناطق الكوردستانية، يبقى الملف الكوردي حاضرا في أية حلول تتوضع لمستقبل سوريا، الذي تكاد تنعدم فيه أية مؤشرات دالة على إمكانية حلول سياسية في المدى المنظور ما لم يستقر الوضع الميداني بتفاهمات إقليمية ودولية تحدد معالم الخارطة السياسية والادارية للبلاد، ولأمريكا بلا شك كلمة الفصل في ذلك كونها القوة التي تقود تحالفا دوليا لمحاربة تنظيم داعش الذي لازال متواجدا في المنطقة الحدودية مع العراق، التي تراها أمريكا نقطة إرتكاز اساسية لها في المنطقة برمتها، وبالتالي من المستبعد أن تتركها أمريكا أو تفسح فيها المجال لأي تمدد روسي أو إيراني أو حتى صيني محتمل. وهذا ما يرجح إعادة النظر في الحدود السايكسبيكوية هناك».
نحن أمام تشكل نظم ودول حقيقية
تحدث عضو المكتب السياسي في الحزب آزادي الكوردستاني – سوريا، هيبت معمو لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «السياسة الخارجية لكل دولة هي امتداد للسياسة الداخلية ونظرا للترهل الذي يمر به النظام العالمي المتكون بعد الحرب العالمية الثانية، والتطور التاريخي للمجتمعات البشرية، استطاع العديد من الدول الهامشية في النمو، والدخول في السوق الراسمالية ومنافسة الغرب على الأرباح، الذي بدوره قلّص هامش الأرباح التي كانت كبيرة خلال النصف الثاني من القرن العشرين لصالح الدول الراسمالية، ونتيجة قلّة هذه الموارد باتت هذه الدول وخاصة الولايات المتحدة الامريكية تعاني في تلبية المستوى المعيشي المرفَّه لمجتمعها، ونتيجة هروب الكثير من الرساميل الضخمة إلى خارج هذه الدول بسبب رخص اليد العاملة والضرائب المعدومة في الدول المستضيفة الناشئة».
يوضح معمو: «أن كل هذا أربك النظام اأراسمالي في عقر داره وإزدهر هذا النظام خارج أطره التقليدية إقتصاديا، بات التناقض الداخلي كبيرا بين مجتمعات الغرب ورأسماليتها، وفي الجانب الآخر نمت أقطاب إقتصادية ضخمة كالصين ودول جنوب شرق آسيا، وكان الهدف من إغراء روسيا للدخول في أوكرانيا وإزاحتها ومنع اصطفافها مع الصين، وذلك بإلهائها في حرب طويلة تستنزفها اقتصاديا. أما القمم الجارية في الشرق الاوسط فهي استكمال ودخول في هذا الصراع التي سيطول ويجذب إليه الكثير من المناطق الجيوسياسية على طريقه لمحاولة تشكيل أحلاف تتسم بصلابة معقولة رغم سمة الميوعة السياسية لهذه المرحلة، وخط المواجهة مع الصين تمتد من باكستان وأفغانستان إلى لبنان، وهذا واضح من طبيعة الخراب الذي تعيشه هذه البلدان، فهل نحن أمام تشكل نظم ودول حقيقية؟؟».
يتابع معمو: «نظراً للموقع الجيوسياسي لهذه المنطقة من العالم وما تحويه من موارد طبيعية، حيث ينتج ثلث الإنتاج العالمي من النفط، وأهميتها الإستراتيجية أضحت بالنسبة لأجندات الدولية موضع إهتمام منذ منتصف القرن الماضي بعد هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على النظام العالمي الجديد، وبعد أحداث 11سبتمبر٢٠٠١ نشأة مصطلح الشرق الأوسط الذي يمتد من الخليج العربي إلى جنوب آسيا، لهذا أرى بأن الأحداث ليست متسارعة بل هي تطبخ على نار هادئة، أحياناً تكون باردة وأخرى تكون ساخنة، ولكن البعد الإستراتيجي هي ثابتة مع تغير الأدوات والوسائل. ثانياً، الولايات المتحدة الأمريكية تقود العالم وتسخّر كل الدول حتى العظمى منها لديمومة أمبرطوريتها، هذا الإجتماعات الإقليمية يأتي في هذا السياق وللأجندات خفايا مشاريعها الاستراتيجية. أما إجتماع رياض وطهران هما جزء من أدوات التغيير الذي له إنعكاساته الإقليمية والدولية، والتي تدخل في سياق الأولي لتشكيل نظام إقليمي ربما تؤدي إلى تحجيم الدور التركي والإيراني على المدى البعيد، وخاصة بعد نشوب الحرب الروسية الأوكرانية. ثالثاً، على المدى المنظور لا يوجد مؤشرات بتغيير قواعد اللعبة بشكل واضح على الرغم من المحاولات الروسية المتكررة بالتمدد على حساب النفوذ الأمريكي. لهذا يبقى مشاريع دول محور أستانا عائق أمام طموحات الشعب السوري عامة والكورد خاصة، لهذا نرى تباين في مواقفهما في القضايا التي تخص كل منهما فتناقض مشاريعهما أدى إلى خلق حرب باردة على الساحة السورية قد تطول إلى أمد غير معلوم. رابعاً، سوريا التي عطّلت الحياة السياسية والمدنية فيها قرابة خمسة عقود، ألقت بظلالها على المجتمع بشقيها السياسي والمدني والحيلولة دون نشوء معارضة طبيعية وسليمة، وتحويل الحراك إلى حرب طائفية دموية».
يضيف معمو: «أما بالنسبة للكورد شأنهم شأن بقية السوريين على رغم من وجود أحزاب يناهز عمر بعضها ستون عاما ولكونهم الحلقة الأضعف كوردستانيا تم استثمارهم من القوى الأكثر نفوذ ليصبحوا أدوات لنفوذهم وضياع الفرصة أمام تشكيل منصة كوردية مستقلة تخاطب العالم. أما بالنسبة لمناطق نفوذ الكورد ستبقى محط أنظار الغرب على الرغم من المحاولات التركية والإيرانية المتكررة للحيلولة دون أنشاء أي كيان سياسي كوردي».
أرض سوريا .. مسرح كبير
تحدث المستشار القانوني، درويش ميركان لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «تبدأ القصة من تصريح سابق للرئيس الروسي بوتين بعد أن إشتد عود الدولة التي خرجت بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وسقوط جدار برلين، وتفتت حلف وارسو. وعهد القطب الواحد في العالم قد ولّى، ويقصد فيها الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو، وسارع التحرك السريع لكلا القطبين بإتجاه تحالفات واستراتيجيات جديدة إقليميا، ودولياً الحرب الروسية على اوكرانيا الدولة التي كانت جزءاً من المعسكر الشيوعي السابق ومركز الترسانة النووية للاتحاد السوفيتي السابق».
يتابع ميركان: «كل هذه الأحداث كانت كفيلة بأن يعقد كل طرف شراكة استراتيجية في منطقة الشرق الأوسط الغنية سياسياً لدعم الحليف الإسرائيلي وتقويض واحتواء المد الإيراني النووي وحتى الشيعي بحجة حماية الخليج السني واقتصادياً للبقاء على إمدادات الطاقة واستقرار الأسواق عالمياً».
يضيف ميركان: «في اجتماعي جدة وطهران هنالك عناوين عامة وبيان ختامي للإعلام وما يجري تحت الطاولة من سياسات وأجندات يبقى أسير الأطراف المجتمعة، ولا يخفى على أحد توالي إجتماع طهران لإجتماع جدة من حيث الزمان والمكان والدلالات التي أرادت طهران وروسيا إرسالها إلى الغرب والخليج العربي معا، سيما إذا كان الطرف الثالث في إجتماع طهران عضو رئيسي في حلف الناتو وهي تركيا، هي معادلة معقدة التركيب من حيث تضارب وتشابك المصالح في نفس الوقت. لكن أين سوريا وماساتها من كل هذه الاجتماعات.؟».
في هذا السياق يضيف ميركان: «جاء بيان جدة مقتضباً حول الحل السوري، إذ التزم الجانبان السعودي والأمريكي على وحدة سوريا واستقرارها ووحدة أراضيها، وإيجاد الحل وفق قرار مجلس الأمن 2254، ووقف إطلاق النار وتقديم المساعدات، ومنع تجدد العنف دون أي ذكر للإرهاب. في حين أخذ الوضع السوري حيزاً كبيراً من البيان الختامي لإجتماع طهران، حيث أكد المجتمعون على أهمية مسار استانا وسيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها، ومكافحة الإرهاب ورفض أي محاولة لحكم ذاتي أو إنفصال يقوض سيادة سوريا، والحل وفق القرار 2254، ودور اللجنة الدستورية والإفراج عن المحتجزين والمختطفين بشكل متبادل. صحيح ان الوضع السوري كان لافتاً في اجتماع طهران لكن عبارات البيان الختامي كانت عامة ولا تحمل أي جديد للحل في سوريا، ومن الواضح ان سوريا ليست من الأولويات في هذه المرحلة كل طرف يهمه تقوية نفوذه على الساحة روسيا من خلال كسر العقوبات الغربية نتيجة الحرب على أوكرانيا، وتركيا أخذ الضوء الأخضر لشن عملية عسكرية في مناطق تل رفعت وكوباني، وإيران تلعب على جميع الحبال لتخيف الضغط الدولي عليها، والتملص من أي إتفاق نووي مع الغرب».
يختصر ميركان الوضع في سوريا، قائلا: «اصبح أرض سوريا مسرحاً كبيراً، والعروض أصبحت بالية والجمهور ملَّ من هذه المسرحيات الهزلية، ضحايا هذه المسرحيات هم السوريات والسوريون أطفالاً وشباباً وشيباً. أين الكُرد ومناطقهم من هذه الفوضى؟ الجواب بالتأكيد ليس بيد الكُرد ولا السوريين بشكل عام إنهاء الأزمة، نحن لنا دور المتفرج حتى اللحظة، وإذا أردنا أن نكون جزءاً من الإجابة علينا أن نكون موحدين في القول والفعل وليس بالشعارات الجوفاء نطلقها هنا وهناك والتي لا تغني عن جوع، بشكل منطقي الطرف الذي يتحكم بمصير المنطقة سياسياً وعسكرياً مُطالب ان يقدم البادرة لدرء المنطقة من ويلات هي بغنى عنها من خلال البدء بحوار الند للند وليس الوصي، عندها فقط نستطيع سوياً الخروج بحل وسط يرضي الجميع ويجعلنا أصحاب الكلمة وليس مجرد تابع ينفذ ويقبض على حساب دماء الأبرياء ممن قدموا الغالي في سبيل هذه الأرض».
أخيراً:
إذاً، يتضح أن منطقة الشرق الأوسط بيضة قبان في ترجيح كفة الميزان في الموازين الدولية، والساحة السورية، ساحة عرض بازارات ومقايضات بين الدول الكبرى والإقليمية، وسيكون الحسم بين القوى الكبرى على حساب هذه المنطقة.