بين مفهوم التعافي المبكر واعادة الاعمار
علي مسلم
شهدت أروقة الأمم المتحدة في العاشر من تموز الجاري تجاذبات بينية حادة بين المجتمع الدولي من جهة، وروسيا من جهة أخرى، وقد أخذت هذه التجاذبات منحىً سياسياً واضحاً، رافقه صراع دبلوماسي، أحبط فيه كل طرف المشروع الذي تقدّم به الطرف الآخر، والغريب في الأمر أن موضوع الخلاف لم يكن سياسياً، بل تمحور حول ألية إدخال المساعدات الإنسانية إلى شمال غرب سوريا عبر معبر «باب الهوى» الحدودي، على اعتبار أن هذا المعبر هو الوحيد الذي يمكن إدخال المساعدات عبره دون المرور بمناطق النظام، وقد حاولت روسيا جاهدة دفع الأمور باتجاه تفعيل ما يسمى "المساعدات العابرة للخطوط" كبديل عن المساعدات العابرة للحدود، والذي يعني أن يتسلم النظام كل المساعدات الدولية، ويتولى توزيعها على كل المناطق، بما في ذلك تلك المناطق الخارجة عن سيطرته، وقد قام النظام خلال الأشهر الأخيرة، بمناورة للالتفاف على الجهود الدولية، وذلك بتسهيل نقل قدر ضئيل من "المساعدات العابرة للخطوط"، للتعبير عن حسن نواياه، لكن المنظمات الدولية والمحلية، ما زالت تشكك بعدم أهلية النظام لتولّي مثل هذه المهمة، وتؤكّد أنه يستهدف من وراء ذلك الاستيلاء على هذه المساعدات، لدعم خزينته وأنصاره، وحرمان مناطق المعارضة المنكوبة منها، وتشيرُ المعطيات إلى أن مساعدات برنامج الأغذية العالمي الآتية من دمشق تكفي فقط لأقل من 50 ألف شخص، بينما تؤمن الأمم المتحدة مساعدات تكفي لحوالي 1.4 ملايين شخص تصل عبر معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا. وقد وثقت العديد من التقارير استغلال النظام السوري للمساعدات الإنسانية بمختلف الطرق، إلى جانب ذلك تحاول روسيا ربط آلية دخول المساعدات الإنسانية بمسألة إعادة الاعمار، وأن دخول المساعدات الأممية إلى مناطق المعارضة دون المرور بمناطق سيطرة النظام هو انتهاك لسيادة الدولة السورية، وقد أشارت تقارير بعض المنظمات المدنية المحلية أن "الابتزاز الروسي" في قضية المساعدات الإنسانية. يزداد بالتزامن مع انتهاء تفويض دخول المساعدات، وربط استمرار المساعدات مقابل تنازلات هدفها دعم النظام السوري ومحاولة تعويمه سياسياً، وتوفير غطاء أممي لاستخدام أموال الدول المانحة في إعادة إعمار مؤسسات النظام وسجونه، وزيادة إثراء شبكة الفساد وأمراء الحرب، تحت بند حزم التعافي المبكّر، في تحايل واضح على العقوبات الدولية وشروط إعادة الإعمار".
يذكر أن تعريف مصطلح "التـعافي المبكر" ما زال يكتنفه بعض الغموض، فوفق مفهوم البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة هو نَـهجٌ يُلـبّي حاجاتِ التّعافي في مرحلة الاستِجابة الإنسانية للطوارئ، أي استِـعادةُ الخدمات الأساسية التي تُمكّن المُتـضرِّرين منَ الاعتماد على أنفسهم اعتمادًا أكـثرَ استِـدامةً، بدلاً منَ الاتّكال المُستمرِّ على مُنظمات الإغاثـة في تَـلـبِـيَة احتياجاتِـهم الأساسية، بينما يعرفه مركز “السياسات وبحوث العمليات”، على أنه كمفهوم يندرج بين إعادة الإعمار من جهة والمساعدات الأممية العادية التي تقدم الغذاء وخدمات المياه والمأوى والصرف الصحي والنظافة من جهة أُخرى.