الحرية بين الإطلاق والطُغيان

الحرية بين الإطلاق والطُغيان

محمد رجب رشيد

لعلّ الحرية من أكثر القضايا الإنسانية جدلاً، كونِها تمسُّ الإنسان الفرد والمجتمع بشكل مباشر، وتتعلّق بنوعيّة العلاقة السائدة بين السلطة والشعب. جرت أنهار من الدماء منذ القِدم من أجل نيل الحرية في مختلف أنحاء العالم، رغم ذلك بقيت صعبة المنال، مازالت هناك شعوب محرومة من هذه النعمة التي أرادها الله سبحانه وتعالى لجميع الناس. بدأ تطوُّرْ مفهوم الحرية من المعنى المحدود -التحرُّر من العبودية- إلى المفهوم المتداول حالياً عندما ظهرت الحاجة إلى تقييد سلطة الحُكّام على الشعوب والحدّ من طُغيانهم، رافق ذلك ضوابط قانونية لِضمان ممارسة الحرية الفردية بما لا يضر الآخرين بحسب الأرضية المعرفية والأخلاقية لِكل مرحلة من مراحل تطوُّرها، هكذا وُلِدت فِكرة المشاركة الشعبية في رسم مستقبل الشعوب.
نظراً لإختلاف وجهات النظر حول مفهوم الحرية تعذّر الإتفاق على تعريف موحّد ودقيق له. لكن بشكل عام يمكننا القول بِأنّ الحرية قيمة عُليا لا يُعلى عليها، والقِيَم بالطبع لا تُكتسب بل تُولد مع الإنسان بشكل فطري كالحُب والصِدق والكرم ...إلخ، بينما الحُقد والكُره والكذِب يُكتسب من الآخرين بعد مرحلة الطفولة، هذه من ناحية ومن ناحية أخرى هناك أَنَفِة طبيعية لدى الإنسان لعدم الخضوع والرضوخ للغير، والإصرار على أن يكون حُرّاً وصاحب قرار. لنستعرِض بعض وجهات النظر حول مفهوم الحرية.
يقول الفيلسوف الإنكليزي جون ستيوارت مِيل (١٨٠٦م - ١٨٧٣م) في كتابه نحو الحرية: لو أجمع جميع الناس -ما عدا شخص واحد- على رأي ما، فلا يحقُّ لهم إسكات رأي ذلك الشخص بنفس الدرجة التي لا يحقُّ له إسكات رأي الناس فيما لو توفرت لديه القُدرة على ذلك، والحرية حسب مفهومه هي حدود سلطة المجتمع على فِكر وسلوك الأفراد، ولا شيء يقتل الفِكر مثل صمته وعدم معارضته.
الأنظمة الشمولية تنظر إلى الحرية من زاوية ضيِّقة جداً، حتّى وإن كانت من أهدافها، بحيث تبقى محصورة بحُرية الدولة (إستقلالها) فقط دون أي اعتبار للحرية الشخصية.
في رواية -أنا حُرّة- للكاتب المصري إحسان عبد القدوس، تعاني بطلة الرواية من قمع الأسرة والمجتمع، وعندما تتحرّر من قيودهما وتصبح حُرّة تكتشف أنّ حريتها محكومة بالمسؤولية الشخصية تجاه نفسها بالدرجة الأولى وتجاه الآخرين.
الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان لغاية وحيدة هي العِبادة، حيث قال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، ولأنّه مكلّف في الدنيا ومُحاسب في الآخرة فقد ترك له حرية الإختيار بين الإيمان والكُفر إمّا أنْ يؤمن بملئ إرادته دون إكراه، أو يكفُر بملئ إرادته دون إكراه، قال تعالى: (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ). للعِلم وخِلافاً لما هو متعارف عليه بين العامة فإنّ جميع الناس في هذه الدنيا عِباد الله وليس عبيده، بينما يوم الحِساب في الآخرة هم عبيد الله، الفرق بينهما هو أنّ العِباد لهم حرية الإيمان وعدمه بنفس الدرجة، أمّا العبيد فهو جمع العَبد المملوك الذي لا يملك من أمره شيئاً، وهو حال الناس يوم الحساب قبل معرفة مصيرهم.
مِمّا لا ريب فيه أنّ صلاح المجتمع من صلاح أفرادها، وصلاح الفرد من حُسنِ خُلقه وحريته، وحرية الفرد في إمكانية اعتناقه أي عقيدة كانت، ونقد الأفكار والمواقف والسلطة دون أن يحاسبه أحد، والتعبير عن رأيه دون خوف، وفِعل كل ما يشاء ولا يضر الآخرين.
يقول المثل الشعبي (كل شيء يزداد عن حدِّه ينقلب إلى ضُدِّه)، هكذا حال الحرية في زماننا هذا، فالحرية المطلقة بِلا قيود تُعادل العبودية من حيث النتائج، هذا إنْ لم تزِدْ عليها لأنّ خطرها عندئذ لن يتوقف عند الفرد نفسه، بل سيطال المجتمع بأسرِه. هنا لا بدّ من التمييز بين حرية الفكر وحرية السلوك، حُرية الفكر يجب أنْ تكون شبه مطلقة دون قيود مهما تكُن الظروف، وأي تدخُّل للسلطة فيها هو شكل من أشكال محاربة الإبداع. أمّا حُرية السلوك (الأفعال) فلا تُمارس إلّا بقيود مع مراعاة التفريق بين نوعين منها، حرية سلوك لا يتعدّى أثره الفرد نفسه، تدخُّل السلطة في هذا النوع من الحرية يعني الطُغيان، وحرية سلوك آخر يتعدّى أثره السلبي الفرد لِيطال المجتمع تحت شعار الحرية الشخصية كإلحاق الضرر بالمصلحة العامة والإساءة إلى الرموز الوطنية، والمثليّة الجنسية. بالطبع هذا السلوك ومِثلُه خارج إطار الحرية الشخصية، وبالتالي لا بدّ من تدخُّل السلطة لمنعه ومحاربته إذا لُزِم الأمر. من هنا تأتي أهمية تنظيم العلاقة بين السلطة والشعب عندما تكون شرعيتها مُستمِدة من الشعب فقط، وتحديد الحد الفاصل بين الحرية المطلقة والطغيان، فالسلطة تملك أداة الإكراه من الضبط إلى المنع فالطغيان، كلما تجاوزت السلطة صلاحيتها كلما قلَّ هامِش الحرية، وكلما تراجعت سادت الحرية.
إنّ فرض فِكر معيّن أو رأي ما من قِبَل السلطة أو المعارضة ومنع نقاشهما هو إدعاء بإمتلاك اليقين المطلق، وإمتلاك اليقين المطلق هو إدعاءٌ بالعصمة من الخطأ، والعصمة من الخطأ كما نعلم محصورة بِالرُسل فقط دون سائر الناس بما فيهم الأنبياء، فالأفكار والآراء ليست من الثوابت، بل إنّ بعضها تفقد أهميتها من جيل إلى آخر، والبعض الآخر تتغير مع الزمن، ليس هذا فحسب بل إنّ بعض المعتقدات التي تكون في مرتبة اليقين لدى جيل ما، يتضِّح عدم معقوليتها في الأجيال التالية.
وأخيراً أقول: الحرية حق مُقدّس من حقوق الإنسان قبل أن تكون هدفاً للنِضال من أجلها، والحرية الحقيقية هي التي تتأرجح بين الإطلاق والطُغيان دون الإقتراب منهما.