الموسيقا لحن الحياة

الموسيقا لحن الحياة

محمد رجب رشيد

يستطيع الإنسان التعبير عن كل ما يبصِر به، ويصادِفه في حياته بالكلمات والجُمل، إلّا أنّ التعبير عن المشاعر وبعض الحواس شيء مختلف تماماً، تعجز عنها الحروف والكلمات أحياناً. في الطبيعة نسمع أصواتاً مختلفة لا تشبه بعضها البعض، لا يمكن وصفها إلّا بتقليدها. نشمُّ الروائح الطيبة من مختلف أنواع الزهور والورود دون أن نتمكّن من توصيف الفروقات بينها. بعد تناول الفواكه والحلويات والسكاكر نقول كانت حلو المذاق، رغم الاختلاف الواضح بين حلاوة كل واحدة منها. نصِف آلام الجسد بالأوجاع فقط رغم تنوّعها واختلافها، وعندما تزداد نعبِّر عنها بالآهات. بكلِمة واحدة هي الحُب نعبِّر عن مشاعرنا الإيجابية تجاه أزواجنا، أبنائنا، والِدينا، أخواتنا، إخوتنا، أصدقائنا،... مع أنّ كل حُب يختلف عن الآخر.
عندما تعجز الكلمات والجُمل التعبير عن مشاعرِنا وخلجات قلوبنا نلجأ إلى الأصوات، الحركات، الدموع، الابتسامات أو الدندنة للتعبير عنها. لنضرب بعض الأمثلة على ذلك، نعبِّر أحياناً عن إعجابنا بُمشهدٍ أو خطابٍ أو لعبة رياضية بالتصفيق. قد تزغرِد المرأة بعد سماعها الخبر السعيد وهي تذرف الدموع، وقد تذرف الدموع مع الخبر الحزين. عندما يسجِّل لاعب كرة القدم هدفاً في مرمى الخصم يجري بسرعة فاتحاً فمهُ، ثمّ يقوم بحركات عفوية جنونية، كالتي يقوم بها كريستيانو رونالدو بعد تسجيله الهدف. ينتابنا أحياناً مشاعر تجعلنا نصمُت عن الكلام ونُدندِن للتعبير عنها. كل ما سبق يخُصُّ عامة الناس، فماذا عن الصفوة؟ تتميّز مشاعِر الحُزن أو الفرح للصفوة الموهوبة بِحساسيتها وصِدقها وسِعة طيفها، وإمكانية ترجمتها إلى قصائد شعرية أو غِناء أو مقطوعات موسيقية. فما هي الموسيقا؟ وكيف نُعرِّفها؟
مِمّا لا ريب فيه أنّ الموسيقا قديمة قِدم الإنسان، وُلِدت معه دون أنْ يعلم، ثمّ تطوّرت مع اللغة جنباً إلى جنب، بدءاً من تقليد أصوات الطبيعة والحيوانات والطيور. تُصنّف ضمن الفنون السبعة، وتشكِّل جزءاً من أسلوب حياة الناس في العديد من الثقافات، يُلاحظ ذلك بوضوح في الطقوس الدينية والعروض العسكرية والنشاطات الاجتماعية.
لقد قيلَ الكثير عن الموسيقا، مَن منّا لم يسمع العبارات التالية، أو لم يفكِّر فيها حين سماعه موسيقا لا تنتمي إلى تراثه: (الموسيقا غذاء الروح، الموسيقا لغة العالم، أوكركُ على عجم). يقول الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين: (من لم تُحرِّك مشاعِره أزهار الربيع وأوتار العود، فهو فاسِد المِزاج ما له من عِلاج). فالموسيقا ليست مجرد أنغام، بل هي وسيلة تواصل بين مختلف الحضارات والثقافات مهما بعُدت عن بعضها بالزمان والمكان.
من الجدير بالذكر هنا أنّ الموسيقا خارج المُحرّمات المذكورة في المصحف الشريف، وكل من يفتي بتحريمها آثمٌ، يحرِّم ما لم يُحرِّمه الله سبحانه وتعالى، فَلنحمُده ونشكُره على نعمة السمع التي بها نستمتع بالموسيقا.
إذا كان الطعام غذاء الجسد فإنّ الموسيقـَا غِذاءُ الرُّوح وَلون من ألوان التعبير الإنساني، قد يتِمُّ التعبير فيها و بها عن خلجات القلوب المتألِّمة والحزينة، أو عن النفس المرِحة السعيدة، معها لن نكون لوحدِنا، معها قد تنتحِر أحزاننا أو تزداد.
لعلّ أجمل موسيقا هي تلك التي ترتبط بذكريات جميلة في حياتنا، كلما استمعنا إليها عشنا الذِكرى من جديد.
الموسيقا لغة الإنسانية بِحق، يفسِّرها الدماغ أيًّ كان نوعها ومصدرها، تدخل قلوب الصِغار والكِبار دون استئذان أو ترجمة، على عكس لغات الشعوب التي تحتاج إلى التعليم والممارسة لإتقانها. رغم ذلك نلاحظ الكثير من أوجه الشبه بين الموسيقا واللغات. العِبارات الجميلة والقبيحة في أي لغة كانت تُصاغ من مجموعة الأحرف الأبجدية نفسها، العِبارة الجميلة تريح النفس بعد سماعها أو قراءتها، أمّا القبيحة فتزعِجها، الفارِق بين الحالتين يكمن في اختيار الأحرف وترتيبها لتشكيل الكلمات والجُمل. لا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للموسيقا، جميع الألحان الموسيقية تتألّف من مجموعة العلامات الموسيقية نفسها، الألحان الهادئة تريح النفس وتهذِّبُها، بينما الصاخِبة تُثيرها وتعذِّبُها، الفارِق بين الحالتين هنا في اختيار العلامات الموسيقية وترتيبها والفاصِل الزمني بين العلامة والتي تليها.
أوكرُك على عجم، مقولة شعبية رائِجة في بلاد الشام تعبِّر عن المذاق الطيب لمشروب الشاي. الأوكرُك بالأصل إيقاع موسيقي أمّا العجم فهو مقام موسيقي، يُشكِّلان معاً لحناً ساحِراً كسِحر مذاق مشروب الشاي عندما تكون كمية السكر إلى الشاي وفق نسب محددة.
تُبنى الأغاني بشكل عام على أربع دعائم هي على الترتيب: الكلمات، الموسيقا، الآلات، الصوت. إلا أنّ القدود الحلبية خالفت هذا الترتيب، حيث بدأت باللحن خِلافاً للمألوف. لقد أخذ فنانو حلب الألحان الأندلسية، وألّفوا كلمات على قد الألحان تلك، ثمّ غنوها، وهكذا وُلِدت القدود الحلبية كظاهرة غريبة وفريدة في تاريخ الغناء.
وماذا عن الموسيقا الكوردية؟

الموسيقا بشكل عام لا تنفصل عن الحياة أبداً، تعكُس البُعد الاجتماعي للشعوب بالتعبير عن مدى سعادتها أو شقائها أو حالتها القائمة. أكثر الشعوب المتمسِّكة بتراثها الفني خاصة الموسيقا والغناء هي تلك التي تعاني من الاضطهاد أو النفي. ولِكي لا تموت تُعلي صوت تراثه الموسيقي والغنائي، ولهذا تُسمع صوت الكورد عالياً في موسيقاها التي تحمل معاناة الإنسانية بأكملها. ويتجلّى ذلك ِبوضوح في غناء الروايات الدرامية الملحمية أو الواقعية التي حدثت بالفعل، مثل مَم و زِين، عيشا إيبه، بيرفانه جندي، جَبَلي، طيار آغا، دوريشه عبدي، شيخ سعيد، ... إلخ. إنّها خاصية فريدة من نوعها تتميّز بها الغناء الكوردي دون غيرها، بالطبع للأغاني القومية والثورية والعاطفية نصيب منها. وأخيراً أقول: (الموسيقا لحن الحياة) أصدق تعبير عن واقِع الشعب الكوردي القديم والحديث.