الشمال السوري بين الحل المنصف والمنطقة الآمنة!!
شكري بكر
نتذكر حرب الخليج الثانية التي خاضها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد نظام المقبور صدام حسين، وتعرض الكورد إلى الهجرة المليونية، حينها طالبت الولايات المتحدة الأمركية بإقامة ملاذ آمن في كوردستان العراق، فسقط صدام
وكُتب دستور وبموجبه تشكل إقليم كوردستان .السوفيت ودول أخرى حينها عارضوا بشدة الطرح الأمريكي، كما تعارض اليوم الطرح التركي، حيث قالوا أن هذا الطرح هو بداية مشروع تقسيم العراق. ونفس الموقف يتكرر
في المشهد السوري، بعد اندلاع الثورة السورية في 11 آذار عام 2011 والتي قتل فيها النظام وهجّر الملايين من الشعب السوري بكل مكوناته نحو دول الجوار ومنها إلى تركيا، ثم التوجه براً وبحرًا نحو الدول الأوربية، ولا زال يتواجد على الأراضي التركية قرابة 4 ملايين من اللاجئين السوريين، في عام 2013 طالبت تركيا بإقامة منطقة آمنة في الشمال السوري، ومعروف أن الشمال السوري ذو الأغلبية الكوردية والمحكوم من قبل سلطة الإدارة الذاتية بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الجناح السوري لحزب العمال الكوردستاني، وحتى تتمكن تركيا من إقامة المنطقة الآمنة يجب أن تكون تلك المنطقة غير خاضعة لأية قوة أو سلطة معارضة لتركيا، لذا فإن تركيا تقوم بعزل تلك المناطق من السلاح عن طريق استخدام القوة العسكرية وعبر شن عمليات عسكرية لإبعاد حزب الإتحاد الديمقراطي إلى الداخل السوري بمسافة 30 كيلو متر، هذا على ما أعتقد أحد الأسباب في قيام تركيا باستهداف عدة مناطق بالعمليات العسكرية وعبر مراحل، فالمرحلة الأولى كانت مدن إعزاز والباب، ثم عفرين المرحلة الثانية، وسري كانييه وغري سبي في المرحلة الثالثة، والمرحلة الرابعة يتم التحضير لها، هنا سؤال يطرح نفسه :
ما الفرق بين الطرح الأمريكي أثناء حرب الخليج الثانية في العراق حول إقامة المنطقة الآمنة في الشمال العراقي، والطرح التركي الراهن بإقامة المنطقة الأمنة في الشمال السوري؟
في سياق متصل بالسؤال هناك أسئلة تطرح نفسها:
ما هو الدافع التركي وراء طرح إقامة المنطقة الآمنة في الشمال السوري؟ هل الشمال السوري بحاجة لمثل هذه المنطقة أم هومدخل لتقسيم سوريا؟ أم هو مشروع تركي لضم الشمال السوري لتوسيع نفوذها بسوريا؟ أم أنها تشن حربا في الشمال السوري لأنها خاضعة لسلطة حزب الإتحاد الديمقراطي والتي تصفه تركيا ومعها العديد من الدول الأخرى بالإرهاب؟
والأهم من كل هذا وذاك يا ترى لو كان الشمال السوري خاضعا لسلطة النظام، هل كانت قد أقدمت تركيا على إجتياح عفرين ومناطق أخرى في الشمال السوري؟
أعتقد، هناك لعبة إقليمية يديرها النظام الإيراني، وأداة تنفيذ هذه اللعبة هو النظام السوري .وواضح في الأفق أن هناك خلافات إيرانية تركية، وعلى الأغلب هي خلافات دينية (سني شيعي) لكي تعطي إيران ديمومة لهذه الخلافات فإنه قام بإقناع رأس النظام بتسليم الشمال السوري إدارياً إلى حزب الاتحاد الديمقراطي لتبقى مصدراً لقلق تركيا، ومن جهة أخرى لتكون قاعدة لحزب العمال بالقرب من الحدود التركية، للانطلاق منها بشن عمليات عسكرية ضد الدولة التركية، ومن ثم إلهاء تركيا وإنشغالها بمنظومة حزب العمال، بهدف إبعادها عن العمق السوري وتفاعلاته، والتغافل التركي عن نظام الأسد.
أعتقد أن النظامين الإيراني والسوري يدركان تماماً أن سوريا لم تعد ذات نفوذ مركزي بهيمنة نظام الأسد .فالطرح التركي سيجابه بداية بقرارات دولية وإقليمية، لكن بالاخير سيحدث ما حدث سابقا في عفرين واعزاز والباب وسري كانيه وغرى سبي . ربما بدافع أن المجتمع الدولي في جعبته حل آخر، وان عجز عنه عندها من الممكن جدا أن تعطي ضوءاً أخضر لتركيا بتننفيذ عمليتها العسكرية ضد حزب الإتحاد الديمقراطي، وانهاء دوره نهائيا في الشمال السوري ، عندئذ سيكون هناك عدة سيناريوهات حول مستقبل المنطقة :
إما بوضعها تحت حماية دولية ،أو بقائها تحت الحماية التركية ريثما يتم إجراء إنتخابات حرة ونزيهة وتسليم المنطقة لمن يفوذ في الإنتخابات .
أو تسليم المنطقة إلى قوة حليفة لأمريكا بنفس الوقت تنال رضى تركيا، ومن المرجح أن تسند المنطقة إلى جبهة الحرية والسلام التي تشتمل على كافة مكونات المجتمع السوري في الشمال السوري. على العموم إن الأزمة السورية ما زالت متوقفة على تحقيق توافق داخلي بإنجاز المشروع الوطني الشامل، والتوجه نحو المجتمع الدولي والإقرار بالحل السياسي ومرجعيتها قرارات مؤتمر جنيف 1 والقرار رقم 2254 وملحقاته، التي تنص على أن يكون سوريا لكل السوريين، بفسيفسائها السياسي والقومي والديني والمذهبي والطائفي، نحو سوريا ديمقراطية مدنية تعددية حرة .