الصراع على الأجانب في أوربا
د. محمد زينو
يبدو كلمة الصراع ثقيلة بعض الشيء، ولكني لم أر أفضل منها
لهذا الصراع محوران :محور أوربي ومحور " وطني " .
تسعى حكومات الدول الأوربية التي استقبلت عددا كبيرا من الأجانب كدولة ألمانيا أو مملكة هولندا أو مملكة السويد وغيرها جاهدة إلى استثمار التدفق الكبير للأجانب إلى أراضيها.
إنها خصصت ميزانيات ضخمة لهم، وشكلت وزارة الهجرة والاندماج وغيرها الكثير من المؤسسات الحكومية والأهلية التي تعتني الأجانب الوافدين أفرادا وعائلات .عدا المؤسسات الرسمية الحكومية، تسعى منظمات الصليب الأحمر ودياكوني وغيرها الاعتناء بالوافدين، وتقدم لهم تسهيلات مادية ومعنوية كثيرة، بدءاً من تقديم لوازم المنزل وأمور الترجمة والمساعدة بالأمور الإدارية، وتعيبن موظفين لديها وبمعاشات مقبولة وانتهاء بتسيير الرحلات الترفيهية العديدة .وتتحمل هذه المنظمات مصاريف كبيرة وأموالا ضخمة سنويا .
تحصل المنظمات الأهلية على قسم من المساعدات من الدولة إلا أن القسم الأكبر تقدمها جهات أهلية واقتصادية واجتماعية عديدة كالشركات الضخمة أو نوادي الرياضة وغيرها .
طبيعي جدا أن هذه المؤسسات تسعى من وراء هذه المساعدات إلى أهداف معينة .تسعى منظمة الصليب الأحمر إلى كسب ود الأجانب دينيا بينما تسعى الشركات العديدة إلى كسب الأجانب عمليا وخاصة المتعلمين منهم بينما يبحث النوادي الرياضية عن المواهب العديدة الكامنة لدى الجيل الجديد من الأجانب رياضيا.
انهم يعلمون أن الأكثرية الساحقة من الوافدين لن يعودوا إلى بلادهم الأصلية، وأن الأكثرية الساحقة منهم لن يقعدوا عاطلين عن العمل سنوات كثيرة، وبالتالي سيدخلون سوق العمل عاجلا أم آجلا .
وأن أطفال الأجانب سيدرسون بالمدارس هنا وسيحصلون في قادم السنوات على شهادات علمية بمختلف العلوم الانسانية والتطبيقية على حد سواء وبالتالي سيخدمون الدورة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في المستقبل. سيتخرج الكثير منهم طبيبا ومهندسا وصيدليا ومختصا بالمهن المختلفة .سينتمي الكثير من اولادنا إلى الأحزاب السياسية الأوربية وقد يتبوأ العديد منهم مناصب ومراكز ومهمات مهمة في السلم الحزبي وبالتالي الحكومي، سيجلس اولادنا في مقاعد برلمانات الدول والولايات وسيقرون القوانين .
اننا ترى نماذج منهم في مختلف الهيئات والمؤسسات والإدارات موظفون لدى الدولة .ثم هناك محور آخر يحاول السيطرة على الوجود الأجنبي هنا في أوربا، أعني حكومات البلدان التي هرب منها اصلا الوافد .تسعى هذه الحكومات إلى تأسيس روابط وطنية في سعي إلى كسب مواطنيها السابقين، انها تعلم أن هؤلاء يشكلون زخما اقتصاديا واجتماعيا قويا جدآ كما تشكل هذه الجاليات نوعا من الضغط السياسي عليها من خلال نشاطاتها الميدانية، لذلك ودرء " لوجع الرأس " تحاول تلك الحكومات التقرب من الكثير من الشخصيات العامة وكسبها و تقديم خدمات لوجستية معينة لهم و" تمشية كلمتهم " لدى المسؤولين في الوطن وتطمين المهاجرين إداريا ودفعهم إلى زيارة الوطن والاستثمار في اقتصاده.
من الحكومات ما نجحت نجاحا كبيرا في كسب المهاجرين اقتصاديا وسياسيا مثل الحكومات التركية المتعاقبة والمصرية و غيرها .حيث قال الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات ذات مرة :ولادنا بالخارج دفعوا نصف ديون مصر .
هذا القول المهم يختصر بشكل مكثف مجمل أهمية وحيوية وجوهر الامكانيات الضخمة التي يختزنها المهاجر تجاه بلده الأصلي.
لعل الدورة الاقتصادية التركية - الأوربية قد خطت أرقاما ضخمة تقدر بالملايين الدولارات وهي مازالت في صعود واضح .
إذ ليس صدقة ولا صدفة أن تصرف دول مثل تركيا وروسيا وإسرائيل وغيرها امولا كثيرة على الجمعيات الأهلية والجوامع والمؤسسات الثقافية والاجتماعية العديدة لهذه الجاليات في أوربا بغية ربط اهتمام و فكر المهاجر بوطنه .
ومن الدول ما فشلت في كسب ود الأكثرية الساحقة من مواطنيها مثل حكومة إيران والى حد ما الحكومة السورية.
مجمل ما أود قوله هنا في هذه المقالة المختصرة هو لفت انتباه
الجهات المعنية في حكومة إقليم كوردستان إلى المخزون الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والسياسي للجالية الكردية في أوربا؟ تشكل الجالية الكردية في المهجر إحدى أكبر الجاليات الأجنبية وانشطها ميدانيا وتخطى عدد أبناء الجالية الكردية عتبة المليون شخص، ولكنها، الجالية الكردية في المهجر، تتخبط بين عدة جهات تحاول السيطرة عليها والزج بها في خدمتها .
ان الجالية الكردية نشيطة كما قلت ولكنها تفتقر إلى السند والدعم والمساعدة .يشكل أبناء الكرد هنا في أوربا جمعيات كثيرة ولكن لا يكتب النجاح لعملها ويقدر عمرها نظرا لفقرها ماديا بالدرجة الأولى.
ثم تفتقر الجالية الكردية إلى ثقافة "المجتمع المدني" بشكل عام لذلك لا يحمي أبناء الكرد هذه الجمعيات من التدهور والانحلال والاندثار السريع بعد مدة وجيزة على تأسيسها، سيكون مهما وجميلا إن انتبهت الجهات المعنية بالشؤون الاجتماعية لدى حكومة إقليم كوردستان إلى حال الجالية الكردية في المهجر واعتنت بأمورها لما تشكل هذه الجاليات من زخم اقتصادي كبير لعجلة الاقتصاد في كردستان من خلال تسهيل الأمور الإدارية في السفارات العراقية بالخارج و تأسيس بنية تحتية مناسبة لجلب السياحية إلى كوردستان ..
يصرف أحدنا عدة آلاف من العملة الصعبة على السفر والسياحة في المدن الساحلية في اسبانيا وتركيا وإيطاليا وكرواتيا واليونان أو في المدن الجبلية في دول عديدة مثل سويسرا و النمسا ... الخ .
تملك كوردستان معظم مقومات السياحة في ربوعها الجميلة .
انها تملك الجبال الرائعة والبحيرات الهادئة والسفوح الدافئة ومنابع الأنهار الصافية .
انها تملك اناسا باتوا على دراية عميقة بقاعة السياحة والترويج لها .