شاحنة الموت

شاحنة الموت

عبدالحميد جمو

أوشكت الأعوام الستة أن تمرَّ على ذلك الحدث المهول ومازال الوجوم يخيم على المكان لا تزال الآنات تسمع والفاجعة ماثلة كأنها حدثت الآن.
نستذكر الحدث الذي لن ينسى مع إقتراب الذكرى السنوية السادسة للتفجير الإرهابي الجبان الذي طال الحي الغربي في مدينة القامشلي، صور لكوكبة من الشهداء الأبرياء ضحايا الغل الاسود تتصدر جدارا مشرفا على الشارع العام، حجم الحقد شاخص بكمية الدمار ( دور سكنية، محال تجارية، أبنية قيد الانشاء عيادات،..... ) والضحايا الذين ناهز عددهم الخمسة وسبعين شهيدا على الأقل جُلهم أطفال ونساء وجمعيهم من المدنيين، إضافة لعشرات الجرحى والمصابين، تطهرت أرض الكارثة بالدماء الزكية فإكتسبت قدسية، تدخل إليها منحيا لا شعوريا إجلالا لأرواح الشهداء وتقف وصامتا ولمعة العينين تسرد قصة الألم.
صورة الحريمة:
صباح ليس ككل الصباحات حركة نشطة وجوه مبتسمة، الجميع يرمي السلام على من يلقاه، الاصدقاء يتعانقون بلهفة ويتبادلون التحايا وكأنهم قادمون من سفر طويل، جلسات صباحية اعتيادية منعقدة أمام المحال وأبواب المنازل لشرب قهوة الصباح مع الاصحاب، بعض العابرين تستوقفهم رائحة القهوة فيلفت ذلك نظر صاحب محل الحدادة ليستدعيهم بإبتسامته المعهودة لتناول فنحان تُريّح اعصابهم.
الحركة دائبة في الشارع الرئيسي، اصوات الأبواب المعدنية تحدث ضجيجا صاخا وهي ترفع إيذانا لبدء يوم عمل جديد، وذاك الطبيب الصيدلي الخلوق يقف على عتبة الناصية رافعا يده مناديا يصبح على المجاورين له والابتسامة ملء فمه، رجال ونساء يسيرون ذهابا وإيابا كل قاصدا عمله، رجل مسن يقبض مقود دراجته الهوائية يسير معها بهدوء، سائق السرفيس ينظر إلى المارة بإمتعاض لأنهم أختاروا السير ولم يستقلوا سيارته، الأطفال يركضون وبعض الشباب يتخذون من زاوية المطحنة موقفا لهم ليتأملوا المارين، وذاك الخجول يتفقد مولدته ويهيئها للعمل، الكل منشغل هذا بتنظيف واجهة المحل والآخر بتوزيع وتصفيف صناديق الفاكهة وذاك المغترب القادم من بلاد المهجر ينتظر قريبه لمرافقته لمركز، وفجأة؟! يعم الصمت يسمع دوي إنفجار هز أركان المدينة وأريافها، أعمدة اللهب والدخان والغبار يلبدان سماء المدينة، الجميع يتساءل عما حدث، وخلال لحظات يتوجه الجميع إلى مصدر الصوت ومكان انبعاث الغبار.
فقط تلك العجوز المحتجزة داخل مدخل بناء مهدم تستنجد الملائكة ليرأفوا بها ظنا منها أنه يوم الحشر. فرق الإنقاذ تخرج الضحايا والمصابين من تحت الأنقاض والمسعفين، والأهالي يتولون نقلهم إلى المشافي، يستمر العمل لساعات طوال حتى تأكدهم من عدم وجود ناجين. من جديد يتساءل الجميع ماذا حصل: يجيب أحد الشهود، أن شاحنة نقل طويلة مخصصة لنقل البهائم استقرت هنا وما هي إلا لحظات حتى إنفجرت محدثة هذا الدمار. ثم يسأل هو نفسه كيف لشاحنة كهذه أن تخترق كل تلك الحواجز الأمنية؟؟، والسؤال الأهم، كيف دخلت لداخل أحياء المدينة؟؟ ويقول مبديا إستغرابه توقف أمام نقطة أمنية؟! يضرب كفا بكف ويجيب على نفسه أنه المال الحرام هي تلك النفوس الجشعة التي لا تقيم حرمة للأدمية.
الحدث:
مركبة شحن طويلة (قاطرة) مفخخة بمئات الكيلو غرامات من المواد المتفجرة ومثقلة بحقد دفين تستهدف المدنين الآمنين العزل، تزهق أرواح العشرات وتصيب عشرات الآخرين بإصابات بالغة، وتحدث في نفوس أبناء الحي جميعا ندب لا يمحوها الزمن، لا لسبب سوى أنهم كوردا.
شاحنة الغل والموت تقطع مئات الأميال، تمر على كافة الحواجز المفروض أنها مجهزة بتقنيات معدة لكشف المفخخات، وتدخل داخل المدينة وتنفذ عمليتها الإجرامية وتروي نهمها للدم، بعد الإنفجار بقليل " داعش" تتبنى العملية وتعلن أنها نالت من " الملحدين" بعملية نوعية، توالت الإدنات والشجب لذالك العمل الجبان، والكثيرين أبدوا تعاطفهم مع العوائل المنكوبة، والمهجرون والمهاجرون هرعوا ومدوا يد العون لمساعدة أبناء المنطقة.
لم تنتهي القصة، لا يزال ذاك الجرح مفتوحا لم يضمد ولم يندمل، ولا تزال النفوس ترنوا لإنصاف الضحايا لتهدئة أرواحهم. أولا وأخيرا نقول: ما تلك العملية إلا عمل إجرامي إرهابي أتى نتيجة هزائم تنظبم داعش الإرهابي المتتالية على يد أبناء الشمس والنار. المجد والخلود والسلام للأرواح الطاهرة البريئة. والعار للخونة والإرهابيين.