المرأة بين ملكوت السيادة والعمل
صالح محمود
متى يسود المرء؟ ما علاقة العمل بالسيادة؟ لماذا ساد الرجل على مرّ التاريخ ولم تَسُد المرأة؟ هل السبب يعود إلى طبيعة الرجل الصلبة وعمله؟ وهل حقاً العمل هو مصدر سيادته وهيمنته على المرأة ؟ أم أن عوامل أخرى جعلت المرأة خاضعة له، وحبيسة المنزل طوال هذه القرون، وجعلته هو من يقود الدفّة، ويتسلّم زمام الأمور؟ أم أن ظروفاً قاهرة تعرّضت لها المرأة فأجبرتها على التنازل عن سيادتها مثل ضرورة بقائها في المنزل ورعاية أطفالها؟ الرجل اكتسب الخبرة في الإدارة والسيطرة خلال كل هذه القرون واكتسب السيادة أيضاً، وكذلك سبل الحفاظ عليها عن طريق القوة البدنية والعقلية التي يتحلّى بها وعن طريق العمل وكسب الرزق لنفسه ولعائلته والاستماتة لتوفير الأمن والحماية لها، وهذه الأمور مجتمعة تؤكد لنا حقيقة جوهرية وهي أن الذي يعمل، وينتج هو الذي يسود، والذي ينفق هو الذي يعطي الأوامر والتوجيهات .
إنّ طبيعة الرجل الفيزولوجية وبنيته القوية هي التي ساعدته ورشحته أن يتسلّم القيادة في علاقته مع المرأة، وانحازت إليه ظروف الحياة القاسية والصعبة عبر التاريخ بدءاً من عمله ومهنته الأولى في صيد الحيوانات إلى نقل الحجارة وقلب التربة والزراعة وتوفير الحماية للأسرة من المخاطر والوحوش.
أمّا المرأة فإن طبيعتها الضعيفة والليّنة جعلتها دائماً بحاجة إلى كائن آخر قوي يحميها، ويؤمن لها الرعاية، وهذا الكائن هو الرجل، وزاد الطين بلة عوامل أخرى كالإنجاب وتربية الأطفال اللذين فرضا على المرأة الإقامة الدائمة والجبرية في المنزل والتي جعلت من سيادتها تنتقص كما عرّضتها للاستغلال، إنّ لين المرأة وبنيتها الضعيفة أجحفا بحقها بالدرجة الأولى وقهرتها عبر التاريخ أكثر من أي أمر آخر، أما الرجل فعلى العكس تماماً حيث إن بنيته القوية والصلبة ساعدته كثيراً، وسمحت له بالخروج إلى الصيد وممارسة أشقّ الأعمال وأصعبها، وكذلك ساعدته في موضوع الهيمنة على المرأة، لقد كان العامل الفيزيولوجي وراء تأخر وتراجع المرأة بامتياز. وقد جاءت التطورات الأخيرة في المجتمع لمصلحة المرأة خصوصاً بعد اكتشاف الكهرباء، وما تبعها من تطوُّرات في التكنولوجيا، لقد منح العصر الحديث دوراً للمرأة لم تكن تحلم به عبر التاريخ!! وفُتحت للمرأة آفاق ومجالات استطاعت من خلالها أن تنال سيادتها، ولا يخفى على أحد أنها تسلّمت أعلى المناصب .
والعامل الأساسي الذي أنهض المرأة، ومكّنها هو العمل والإنفاق، إن المرأة العاملة تستطيع الإنفاق على نفسها وأولادها وهذا الأمر يُسهم بشكل كبير في تحرّرها، وأن تكسب سيادتها، وربّما هذا ما جعل المفكرة المصرية نوال السعداوي تؤكد قائلةً: {النساء كالدول لا تكسب سيادتها إلا إذا أنفقت على نفسها} إذاً موضوع الإنفاق هو الأساس في علاقة الرجل بالمرأة. والطرف الذي لا يعمل لا يملك إرادة ولا هيمنة ولا خيار أمامه سوى التبعية سواء كان رجلاً أم امرأةً. لقد قامت حركات نسائية كثيرة عبر التاريخ ولا شك ان هذه الحركات ساهمت بشكل كبير في تحقيق مكاسب كثيرة للمرأة ولكن يبقى العمل هو المخلّص والمحرر الرئيسي للمرأة، فمن المستحيل أن تنال المرأة حريتها، وأن تكون ذات سيادة دون أن تعمل وتنفق على نفسها، ومع تغير الأحوال وتوفر فرص عمل تناسب طبيعة المرأة في العصر الحديث أثبتت المرأة جدارتها وأظهرت مستوىً عالياً جداً من الأداء وأثبتت تفوقها على الرجل في كثيرٍ من المجالات وسبب ذلك يعود إلى حاجتها الملحة إلى العمل كوسيلة للخلاص وأخذ دورها الطبيعي، وتحقيق أحلامها في التحرر والتخلص من هيمنة وسلطان الرجل ..
تطور الحياة ساعد المرأة على أن تشق طريقها نحو المستقبل و على أن تقطع أشواطاً جعلتها تحتل مواقع من المستحيل أن تتركها او تتراجع عنها، وأصبح موضوع الحفاظ على هذه المكتسبات مطلباً شرعيا للمرأة .