مواقف ومصائر لرجالٍ وفلاسفة
صالح محمود
في أيام الرئيس الفرنسي شارل ديغول ثار الجزائريون ضد فرنسا وطالبوها بالخروج من بلادهم، حينها وقف المفكر الفرنسي سارتر مع الشعب الجزائري في مطلبه بخروج فرنسا من الجزائر وتركها حرة ومستقلة، إنّ موقف سارتر هذا أثار غضب اليمين الفرنسي وجعله يطالب ديغول بإخراس وإسكات ذاك المفكر اللعين الذي يدعى سارتر، فردّ عليهم ديغول قائلا : وهل يعقل هذا !! وهل من الممكن إخراس واسكات فولتير؟ وهذا إن دلّ على شيء، يدل على عظمة القائد ديغول وكذلك عظمة المفكر سارتر .وقد كان فولتير كاثوليكياً وكانت أغلبية فرنسا كاثوليكية ومع ذلك وقف فولتير ضد الأغلبية وأفكارها ومعتقداتها .
لقد أحرقت فرنسا ومعظم الدول الاوروبية كتب الفيلسوف والمفكر الفرنسي الملهم جان جاك روسو في القرن التاسع عشر، ولكن بعد ثلاثين عاماً فقط أصبحت كتبه الإنجيل المقدس للثورة الفرنسية .
في روسيا تأثّر القيصر كثيراً برواية عالم النفس والاديب دوستويفسكي "ذكريات من بيت الموتى " فاستسلم للبكاء بعد قراءتها، وأمر بإيقاف الجلد الذي كان سائداً آنذاك في السجون الروسية .
ورغم أنّ ديكارت كان يغير منزله بين الحين والآخر ، إلّا أنّ أعداءه تمكنوا منه فمات مسموماً بعد أن فجّر قنبلة فلسفية أطاحت بعصر أوربا القديم ومهّدت لبناء العصر الحديث، لقد قام ديكارت بانقلاب فكري جعل اوروبا تنهض وتصبح اوروبا الحضارة .
أما ارسطو الملقب بالمعلم الأول فقد هرب قائلاً : لن أدعهم يرتكبون جريمة أخرى بحق الفلسفة وكان يقصد مقتل سقراط عن طريق السُّم، لقد كان ارسطو صدىً لسقراط وافلاطون ولم يشأ للفلسفة أن تُباد في أثينا، لذلك آثر الهرب من قاتليه .
في القرن السادس عشر قضت محاكم التفتيش بإعدام جيوردانو برينو، فتمّ قطع لسانه وألقِيَ به في النيران المشتعلة في قبو الكنيسة الكاثوليكية لأنه انتقد العقائد الدينية الأكثر رسوخاً في عصره.
أما الشاعر والمفكر الصوفي الحلاج فقد تم تعذيبه وتقطيع يديه وسلخ أجزاء من جلده ومن ثم قتله وتقطيع جثته وحرقها ورميها في مياه دجلة، وكل هذا الإجرام والبشاعة في القتل لسبب واحد هو خروجه عن المألوف و تمرده وتجرؤه على السياق العام لفكر عصره ومعتقداته . فالمفكر أو الفيلسوف هو دائم التمرد على عصره، وعلى السياق العام للأفكار في زمانه لذلك تقف القوى الرجعية التي لا تحب التغيير في وجهه وتحاربه وتقوم بتصفيته جسدياً في كثيرٍ من الأحيان .
أمّأ ابن تيمية فقد قضى حياته في السجون، حتى إنّه ألّف معظم مؤلفاته في السجن، وبغضّ النظر عن تشدده الذي يراه كثيرٌ من المعاصرين، فإنه كان مصنعاً ضخماً لإنتاج الفكر، وكان يفكر بطريقة تختلف عن السياق العام للمجتمع ،لذلك نبذته السلطات آنذاك وأُدخل السجن مراتٍ عديدةٍ ولعلّه بذلك يكون مديناً للسجن وسجّانيه في إنتاج عدد كبير من مؤلفاته .
لقد كان غرامشي أميناً عاماً للحزب الشيوعي الإيطالي وهو في الخامسة والثلاثين من عمره ، فحُكِم عليه بالسجن عشرين عاماً، ومات في سجنه قبل أن يكمل مدة حكمه، فقد عانى المرض وآلامه، واحدودب ظهره وتساقطت أسنانه كلها وكانت تمر عليه أسابيع في السجن لا يستطيع فيها النوم إلا ساعات قليلة من شدة المرض والحمى، ولكنه مع ذلك أنهى كتابة ثلاثةٍ وثلاثين دفتراً، طُبعت هذه الدفاتر لاحقاً على شكل كتاب ضخم سُمي بدفاتر السجن والتي استطاعت أن تهزّ عرش الثقافة والمثقفين في عصره.
ولا يَخفى على أحد أنّ الفيلسوف الألماني نيتشه قد بلغ القمّة في الفكر والبلاغة، فكان الأشهر في زمنه دون منازع، لقد عانى الصرع في أواخر أيامه ووُضِعَ في منزلٍ يشبه المتحف، وكانت أخته تقبض المال من زوّار المعرض حيث كان هو المعروض الأول، تلك هي الحال التي انتهى إليها الفيلسوف الألماني الذي لا يُشقُّ له غبار .
أمّا لودفيغ وتغنشتاين الألماني فقد كان حضوره طاغياً وقوياً ، حتى إنّ أحد رفاقه قال عنه - وهو ينتظره في محطة القطار لحضور جلسة ما - :{ لقد وصل الله! - وحاشا لله - لقد وصل في قطار الساعة الرابعة والربع.}، هكذا كانت صورة لودفيغ في أذهان رفاقه ومعاصريه، وذلك لما يملكه من هيمنة فكرية ولما كان له من قوة حضور لا تُضاهَى، فجعلته هذه الصفات في مرتبة الآلهة في نظر رفاق عصره.
كان هيغل يُكثر من الجدل والنقاش مع صديقيه ليلاً، وحين كانوا يستيقظون في الساعة الرابعة صباحاً يكملون ذلك النقاش الذي بدؤوا فيه ليلاً، وبذلك أصبح هيغل أبو الجدل أو أبو الديالكتيك.
لم يضع هيغل نظرية فلسفية ولم يكتفِ بتفسير العالم وحسب، بل ذهب أبعد من ذلك، لقد وضع هيغل منهجية فلسفية سار عليها الفلاسفة والمفكرون، وهذا ما ميّزه عن باقي الفلاسفة، فعلى مدى مئتي سنة لم يظهر فيلسوف أو مفكّر استطاع تجاوز هيغل ..
لُقّب الفارابي بالمعلم الثاني لأنه كان أكثر المفكرين قدرة على شرح أرسطو في ذلك الزمان، وكان مُعاصراً لسيف الدولة الحمداني الذي كان مجلسه يضمّ العلماء والشعراء، وفي يومٍ ما علم الحمداني بوجود شخص غريب الأطوار يدعى الفارابي في إمارته فدعاه إلى مجلسه، وعندما دخل الفارابي قال له سيف الدولة : اجلس حيث يضعك علمك، فطلب من الأمير أن يقوم من مكانه ليجلس هو في مكان الأمير، ثم قال له الامير: اجلس حيث يضعك أدبك، فجلس عند مدخل الباب حيث أحذية الحاضرين , لقد كان الفارابي يحمل آلة موسيقية صنعها بنفسه، فطلب منه الأمير أن يعزف لهم بعض الألحان فعزف في البداية لحناً أضحكهم جميعاً ومن ثم عزف لهم لحناً آخر أبكاهم، وبعد ذلك عزف لحناً جعلهم ينامون جميعاً بما فيهم الأمير وتركهم نائمين وغادر المجلس، لقد كان الفارابي يُتقن لغاتٍ كثيرة، وقد قيلَ عنه :" آية من آيات الله على الأرض " لعبقريته وذكائه الخارق.