المجتمع المدني الكردي في سوريا
شادي حاجي
الحقيقة لا يوجد مجتمع مدني بالمعنى الحقيقي في المجتمع الكردي في سوريا، فتنظيمات المجتمع المدني الكردي قبل الحراك الشعبي في آذار 2011 كانت شبه غائبة إلا من بعض الجمعيات والنوادي التي كانت تهتم بتشكيل الفرق الرياضية الشعبية وباللغة الكردية وبـالفنون والفلكلور كالرقص والأزياء الكردية التقليدية علماً أن بعضاً من هذا الجمعيات والمنظمات إن لم نقل كلها كان على علاقة وثيقة بالأحزاب السياسية، وتعمل تحت رعايتها وبدعم منها في سبيل تطوير الأحزاب ودورها الجماهيري في المجتمع الكردي ككل، وكانت تعمل بشكل محدود وسري بسبب ما كان يمارس ضد الشعب الكردي من إجراءات وسياسات عنصرية إستثنائية تستهدفه في وجوده كشعب وأرض وجغرافية سياسية بهدف صهره في بوتقة القومية العربية بالإضافة إلى القمع الذي كان يُمارس بشكل عام تجاه أي حراك سياسي ومجتمع مدني في البلاد .
حيث كان لا يسمح بقيامها في الاصل في سوريا وكان ذلك يرتبط بطبيعة الحكومات التي تولت الحكم في مرحلة مابعد الاستقلال حيث أقامت نظماً سلطوية عسكرية ومدنية هيمنت على السياسة والاقتصاد والمجتمع ما حال دون تطور المجتمع المدني في سوريا .
أما بالنسبة لمنظمات المجتمع المدني الكردية التي تشكلت بعد آذار 2011 خلال الأزمة السورية، فبعضها تأسست في المناطق الكردية، وتشكلت بعضها الآخر خارج سوريا وأغلبها في اقليم كوردستان العراق وأن معظم هذه المنظمات كانت جل تفكيرها ودورها ولاتزال مقتصراً على أن المجتمع المدني هو عبارة عن منظمات إغاثية خيرية تعمل خلال الحروب، وتهدف الى تقديم الخدمات الطبية من طبابة ودواء وسلات الغذاء
وحتى في هذا الجانب لم يفلحوا ولم تكن تفكر بالتوجه الى العمل على تنمية الذات والقدرات والمهارات وتنمية روح العطاء لدى المتطوعين واكتساب الخبرات عن طريق إقامة ورشات العمل والندوات والمنتديات وإلقاء المحاضرات أو منظمات تكون بمثابة عين الشعب على أداء الأحزاب والأطر السياسية أو الإدارة.
ونظراً للأسباب التي سبق ذكرها أعلاه فقد ظلت تلك المنظمات تعاني الضعف والهشاشة والتخبط وعدم الاستقلالية ووضوح الرؤى والبرامج لأسباب عديدة وهي :
1 - لأنها كانت تفتقر الى الدعم بأي شكل من الأشكال من قبل المنظمات الدولية ولأنها كانت محلية .
2 - لأن بنية المدن والبلدات الكردية هي بنية متريفة ومتصلة ومتأثرة بالتكوينات الاجتماعية التقليدية ذات الامتدادات العشائرية أو العائلية والمناطقية أو الطائفية أو خليط منها غير قادرة على أن تلعب الدور نفسه الذي لعبته المدن الاوربية في نشأة مؤسسات المجتمع المدني وتكويناته وتطورها واحتضان حركته على نحو فعال بإتجاه المسألة الديمقراطية .
وكما تعلمون هناك بين المجتمع المدني والأحزاب السياسية نوع من التكامل دون أن يعني ذلك المس باستقلالية أحدهما عن الآخر حتى يتمكنوا من التعبير عن مطالبهم ورغباتهم لخلق مناخ تسوده الديمقراطية لأننا سواء نظرنا الى المجتمع المدني من منظور فلسفي أو سياسي أو من خلال تبلور مكوناته على أرض الواقع فإنه يظل مجرد تصور مادام بعيداً عن أصول الديمقراطية ولذلك فلا يمكننا الحديث عنه في غياب منهجية ديمقراطية واضحة المعالم لأن المجتمع المدني رغم أنه عبارة عن مجموعة الأفراد والهيئات غير الرسمية بصفتها عناصر فاعلة إلا أن وظائفها المركزية تشمل معظم المجالات التربوية والاقتصادية والصحية والحقوقية والإغاثية والخيرية...الخ لذلك ترى أنه في أوربا يستبعد في مفهوم المؤسسات الاجتماعية الأولية كالعائلة والقبلية والطائفة الإثنية او المذهبية كما تستبعد منه المؤسسات السياسية و الحكومية ليبقى ذا طابع تطوعي محض حيث ينظر الى المجتمع المدني على أساس مشاركة المواطنين بطريقة فعالة في تكوين جماعات طوعية تهدف الى تحقيق الصالح العام وهذا مايفتقر إليه المجتمع الكردي لذلك فإن الحديث عن صيغة المجتمع المدني وفق النمط الليبرالي وإمكانية تطبيقه أو توفر مقوماته من حيث الشكل والمضمون في المجتمع الكردي في المرحلة الحساسة والخطيرة السياسية والأمنية الراهنة فرضية غير قابلة للتحقق لأن المجتمع الكردي لايزال يسود فيه نمط المجتمع الأهلي بتركيبته وتشكيلاته وقيمه ولأنها مازالت تتعاطى مع المفهوم المجرد للمجتمع المدني في الإطار السياسي – الاجتماعي الضيق للنخبة الليبرالية من المثقفين وبعض الأحزاب المتنفذة بما لا يضر بمصالح هذه النخب أو حلفائها في الداخل والخارج .
وإلى مستقبل أفضل.