السياقة فَن وذَوق وأخلاق
محمد رجب رشيد
لا شكّ أنّها عنوان جميل! والأجمل أنْ يَتّخِذه السائقون شعاراً يُترجَم سلوكاً وعملاً على الشوارع والطُرقات. رُبّ سائلٍ هنا: أين الفن والذوق والأخلاق في سياقة المركبات الآلية (السيارات)؟ كل عمل فيه إبداع هو شكل من أشكال الفن، وكل شخص موهوب يحبُّ عمله ويمارِسه بإتقان هو فنان من نوعٍ ما، يُظهِر كل ما هو جميل غائب عن أنظار الناس وأسماعهم ليُسعِد به نفسه والآخرين.
المركبة ليست مجرّد وسيلة ركوب، بل هي جزء من شخصية السائق، عندما يعشقها ويسير بها دون إرتكاب مخالفة أو إلحاق الأذى بالآخرين، فهو بذلك كالفنان الذي يحضُن آلته الموسيقية كجزء منه، يعزفِ عليها أجمل الألحان لإسعاد نفسه والذين برِفقته.
بالطبع ليس كل من جلس خلف المِقوَد وأدار مفتاح تشغيل المحرك يُتقِن فن العزف ويُقدِّر نعمة المركبة، فالسياقة بالنسبة إلى هؤلاء ليس أكثر من مفتاح تشغيل المحرك والمِقوَد (الدركسيون)، أمّا الفن والذوق والأخلاق فلا يعني لهم الشيء الكثير، الأمر الذي يجعل من سياقتهم هَم وغَم وأذى.
حسب عِلم النفس سِياقة المركبة مرآة لشخصية السائق وذَوقِه وأخلاقه، فالسياقة ليست شأناً شخصياً فحسب، بل هي نشاط يتعلّق بالمجتمع وحياته وسلامته، فضلاً عن حياة وسلامة السائق نفسه، ويتمثّل ذلك في احترام الذات والرُكاب والمُشاة، ومعرفة حدوده وواجباته تجاه المركبات الأخرى وخاصّة الإطفائية، الإسعاف، النجدة، المراسم.
لم تعُد المركبات الآلية رفاهيةً كما كانت أول ظهورها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن الماضي، بل أصبحت حاجّة ماسّة للأفراد والمؤسسات بحيث لا يمكن الاستغناء عنها بأي شكل من الأشكال، إنّها بِحق من أهم النِعم التي يتمتّع بها الجميع دون استثناء، الأمر الذي أدّى إلى زيادة طردية في عددها مع مرور الزمن، مِمّا استوجب وضع قواعد وضوابط لتنظيم المرور داخل المدن وخارجها على الطرقات العامة، ومؤخراً تمّ إحداث هندسة المرور كفرع من فروع كلية الهندسة المدنية في بعض الجامعات، مِمّا يؤكّد أنّ قواعد المرور هي عِلم قبل أن تكون مخالفة وغرامة مالية، وتُعَرَف بِمجموعة القوانين والأنظمة والخطط والبرامج التي تُنظِّم حركة المركبات وتحرُكات المشاة بسلاسة بما يضمن السلامة العامة، أمّا الضوابط فهي آلية الالتزام بها وعواقِب مخالفتها.
يُعتبر إحترام قواعد المرور والإلتزام بها أحد أهم المظاهر الحضارية في كافة أنحاء العالم، لكِّن واقع المرور في بعض البلدان بعيد كُل البعد عن أي مظهر حضاري، أغلب السائقين فيها يعتبر سياقة المركبة برعونة شجاعة وبطولة، متناسياً أنّها تعكس فقط الجهل وحب التباهي والظهور ولفت الأنظار. وعندما يقع المكروه قد يكون الثمن حياته أو حياة الأبرياء، فضلاً عن ترك آثار سلبية ونفسية على الأفراد والمجتمع، وأضرار مادية تتكبّدها أصحاب المركبات. بينما مدارس تعليم السياقة تعتبر قلّة استعمال المكابح من أهم معايير السياقة المثالية، يحتاج السائق هنا إلى قراءة الطريق الذي يسلكه ليس بعقله فحسب بل بِبصيرته أيضاً.
أذكُر فيما أذكُر أنّ البعض كان مُدمِناً على شراء بطاقة اليانصيب، والبعض الآخر إنْ لم يكن الجميع لا بدّ أنْ اشتراها عِدة مرات على أمل الفوز بالجائزة الكُبرى -رغم إحتمال الفوز بها ضعيف جداً- أو بإحدى الجوائز الأخرى. لا نُبالِغ إذا شبّهنا إرتكاب مخالفة المرور بشِراء بطاقة اليانصيب، في إحصائيات إدارة المرور ينتج عن كل نوع من أنواع المخالفات نسبة معينة من الحوادث أعلى بكثير من نسبة الفوز بجوائز اليانصيب، بمعنى ليس بالضرورة أن يؤدّي كل مخالفة إلى وقوع حادث، لكِن في حال وقوعه، تكون جائزته الكُبرى الموت، وجوائز أخرى لا تقلُّ عنها بشاعة كالعاهات الدائمة، فضلاً عن جوائز ترضية على شكل خسارة مادية.
تُشير الإحصائيات في مختلف دول العالم إلى ثلاثة مسبِّبات لِحوادث المرور، يأتي في مقدمتها العنصر البشري -السائق- بنسبة تتجاوز تسعة أعشار إجمالي الحوادث، غالباً ما يكون السائق في إحدى الحالات الآتية قبل وقوع الحادث (النعاس، الثَمالة، استعمال الهاتف الجوال). ويأتي بنسبة أقل عنصران جامدان هما الطريق والمركبة، وعنصر متغيِّر هو الطقس. لكل مِسبِّب من المُسبِّبات السابقة قواعد سلامة خاصّة به، فإن لم يكن الجميع مُلمّاً ومتقيّداً بها سيبقى المجتمع معرّضاً لمخاطر لا تُحمد عقباها. من هنا تأتي أهمية الغَرامة المالية وسحب إجازة السياقة والعِقاب لإجبار السائقين على التقيُّد بقواعد المرور بِغرض الحدّ من حوادث المرور والمحافظة على السلامة العامة.
إنّ السلامة المرورية ليست مسؤولية السائق لوحده وإن كان يتحمّل الجزء الأكبر منها، بل هي مسؤولية جماعية، بدءاً من معايير منح إجازة السوق، للعِلم الحصول على إجازة السياقة في الدول المتحضِّرة يؤهِّل صاحبها للسياقة مباشرة في كافة أنواع الطرقات وأصعب الظروف، بينما في الدول الأخرى لا بدّ من الحصول على إجازة السياقة كي يتم التدريب عليها وإتقِانها فيما بعد. أمّا وسائل الإعلام والمناهج الدراسية فإنّهما مُطالبتان بِنشر ثقافة المرور وتدريس قواعدها.
من المُلاحظ إنتشار المخالفات المتعمِّدة بِكِثرة في أوساط السائقين، من أهمِّها استعمال الهاتف المحمول أثناء القيادة، عدم وضع حزام الأمان، عدم التوقُّف ليلاً عندما تكون الإشارة الضوئية حمراء ولا يوجد شرطي المرور، تجاوز خط التوقُّف عند الإشارة الضوئية إلى ممر المشاة بحيث لا يراها عندما تصبح خضراء، مِمّا يضطر الآخرون إلى استعمال المنبِّه لغير الغاية التي وُجِدَ من أجلها، تجاوز السرعة المحدّدة على الطرقات واستعمال المكابح لتخفيفها عندما يتفاجأ بكاميرات التصوير وقياس السرعة، الأمر الذي يؤدي إلى عرقلة السير أو التسبُّب بحادث، السير فوق الخط المتقطِّع الذي يفصل بين المسارين، .... إلخ.
لا يمكن تفسير السلوكيات السابقة وغيرها إلّا بعدم احترام قواعد المرور أو بالخوف من الغرامة المالية والعِقاب، والخوف عندما يكون بديلاً عن الاحترام فإنّه يعني شيء واحد فقط هو عدم احترام الذات.