قادة ورموز كورد صدحت نضالاتهم أصقاع العالم ( الملا مصطفى البارزاني )

  قادة ورموز كورد صدحت نضالاتهم أصقاع العالم ( الملا مصطفى البارزاني )

شكري شيخاني

يحق للكورد في أي مكان، وفي أي زمان أن يرفعوا رؤوسهم عالياً فخراً واعتزازاً بأسلافهم من القادة والمناضلين والسياسيين والمفكرين، فهؤلاء هم تاريخنا ومجدنا، وهم منارة حاضرنا ومستقبلنا. وكما قلنا سابقاً من فات قديمه تاه. والعبرة في سرد السيرة الذاتية لهؤلاء العظماء، اولاً الإعتراف بفضلهم وجهادهم ونضالهم. وثانياً تعليم أولادنا وتعريفهم بجذورنا واصالتنا، وأخيراً وليس آخراً أخذ العبرة والدروس والمواعظ من مسيرة حياتهم وسمعتهم الطيبة والتي ملأت أرجاء الأرض. وخطأ الأمم والشعوب أنها تنسى سريعاً القادة أو المؤسسين أو العظماء ويلتفتون إلى القادة الجدد ونسي هؤلاء أنه لولا كفاح ونضال القادة المؤسسون لما وصلنا إلى رؤية القادة الجدد وعار على أية أمة أو شعب نسي أو تجاهل الرموز الوطنية، والتي كافحت طويلاً وبأسلحة بدائية ولكنها صمدت وقاومت وأجبرت الأعداء على الإعتراف بهم وبعدالة قضيتهم. من هؤلاء يستذكر الشعب الكوردي القادة والرموز الأوائل في العمل النضالي أمثال القائد الملهم الفذ الملا مصطفى البارزاني، الزعيم الملا البارزاني رجل أثار الجدل، وشغل المنطقة لنحو ربع قرن.
نحن الكورد وبكل فخر وإعتزاز نطلق عليه لقب الزعيم الخالد، بينما الخصوم والأعداء يطلقون عليه أوصافا تبدأ بالدهاء ولا تنتهي بالخيانة، وهذا حال الناجحين دوماً. لكن أحداً لا يستطيع أن ينكر على الملا مصطفى البارزاني إصراره وقدرته على المناورة السياسية وزعامته للحركة الكوردية في العراق طوال عدة عقود بلا منازع. أما سبب تسميته بالملا سمي، لمكانة عائلته الدينية التي ورثتها عن جده وأبيه، بدأ الزعيم البارزاني في عمر مبكر رحلة العمل المسلح، فقد شارك على رأس قوة من مائتي مقاتل في حركة الشيخ محمود الحفيد عام 1919 بينما كان في السادسة عشرة فقط، وسافر عام 1920 إلى تركيا مبعوثا من أخيه الأكبر أحمد البارزاني للتنسيق مع الشيخ سعيد بيران الذي قاد بعد ذلك حركة واسعة ضد حكم أتاتورك، وبعد ذلك بنحو عقد كان قد بدأ رحلة طويلة من التحرك المسلح ضد الحكومات العراقية حتى موته. في عام 1932 شارك بصحبة أخيه في مقاتلة القوات العراقية المدعومة من البريطانيين، لكن الحركة فشلت، ونفي الملا مصطفى إلى السليمانية عام 1933 حيث بقي عشر سنوات ليهرب بعدها عائدا إلى قريته بارزان التابعة لأربيل شمال العراق. في عام 1945 عاد لمقاتلة القوات العراقية، لكن حركته انتهت ليتوجه إلى مهاباد الإيرانية حيث أعلنت أول جمهورية كردية بمساعدة السوفييت عام 1946، وليتولى هناك قيادة جيش الجمهورية الناشئة بعد أن منحته موسكو رتبة جنرال حتى لقب لفترة بالجنرال الأحمر. كان من بين قادة جمهورية مهاباد القلائل الذين تمكنوا من المغادرة قبل انهيار تلك التجربة الكوردية في نفس عام إنشائها، فقد نجا من جيش شاه إيران الذي اقتحم مهاباد وأعدم رئيسها ومساعديه، لكنه قبل ذلك كان قد أسس في مهاباد الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي عرف آنذاك بالبارتي، وأرسل مساعديه إلى السليمانية ليعقدوا أولى مؤتمرات الحزب هناك. غادر إلى الاتحاد السوفيتي بعد أن ضاقت به السبل، ولم يعد منها إلى العراق إلا بعد ثورة تموز 1958 التي أطاحت بالملكية، حيث استقبله زعيم الثورة عبد الكريم قاسم بحفاوة ومنحه الكثير من الإمتيازات، لكن ذلك لم يكن كافيا لحل المشكلة الكوردية، فاستأنف الملا مصطفى عام 1961 حركته المسلحة ضد قاسم التي استمرت هذه المرة أربعة عشر عاما متواصلة بالرغم تغير الوجوه والنظم الحاكمة في بغداد. في عام 1975 عقد العراق اتفاقية مع إيران أنهت طهران بموجبها دعمها لحركة الملا مصطفى، فإنهارت قواته على الفور وبدأ من جديد رحلة لجوء إلى إيران ثم إلى أميركا قبل أن يرحل من هذه الدنيا هناك عام 1979 متأثرا بمرض السرطان. خلال حياته تواصل البارزاني في تحالفاته مع أطراف عديدة لدعم حركاته المسلحة، فقد تحالف مع إيران وسوريا وأميركا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي وإسرائيل من أجل تحقيق أهدافه، لكن خصومه الذين يعترفون بدهائه السياسي والعسكري يتهمونه بتفويت فرص عديدة للحل وبالإرتهان للقوى الأجنبية التي دعمته على حساب الأمن العراقي لا سيما من خلال علاقاته الوثيقة مع إسرائيل، وهذه إتهامات باطلة. أما أنصاره فيقولون الحقيقة وهي ان الزعيم الملا البارزاني هو من وضع القضية الكوردية على الطاولة الدولية وكان بحق يشكل الرصاصة الكوردية في قلوب الطغاة. والزعيم الملا مصطفى البارزاني فعل ما كان يتوجب فعله لخدمة قضية الكورد.
لقد وقف الزعيم الملا البارزاني خصماً ونداً في التفاوض عام 1958 للعودة من أذربيجان إلى العراق، نظير إستجابة جزئية للمطالب القومية؛ لكنه أبى تجزئة القضية؛ كي لا تتشظّى، على الرغم من تلقيه العديد من العروض الشخصية المغرية، وأطلق صيحته المدوية الأبدية: “لا مساومة على كوردستان”.
وإذا عدنا إلى التاريخ فنجد ان ولادة الزعيم ووفاته صادفت في شهر آذار وبينهما خمسة عشر يوما تفصل ولادة الملا مصطفى البارزاني في 15 آذار 1903 عن وفاته في 1 آذار 1979 تكاثفت فيها ستة وسبعون عاما كفاحاً ونضالاً مضنياً وشاقاً ، بكل صنوف وأنواع القتال. نعم انه كان قتالاً دؤوباً في سبيل توجيه مسارات الطلقة الكوردية المفعمة بالصدق وبالحق نحو قلب الطغاة تزهقهم فترديهم خاسيرن مذمومين يلعنهم التاريخ إلى الأبد ويخلد الزعيم البارزاني إلى الأبد. هذا الزعيم الذي ما إنفك يحمل كرامة الفقراء وأوجاعهم وصية من شقيقه أحمد البارزاني. نعم القائد أحمد البارزاني. شريك فعال في المهمة التاريخية ،التي حملها آل البارزاني وكان ميراثا" مشرف. ميراث الخلود. بديلا عن الأموال والاملاك والعقارات والارصدة والترف والرفاه والجاه والنفوذ. إنه ميراث بمحبة الناس وإيمانهم بالبارزاني قائدا من تحت ثرى قبره.
ان الملا مصطفى ليس فقط الزعيم جنوبي كوردستان بل لكوردستان الكبرى، والذي قاد النضال الكوردي الشجاع. الشريف. ولم تغريه مغانم ولم ترهبه مخاوف. لأنه ينطق بالحق، وهو تاريخيا قائد لحاملي الرسالة النضالية.
ولكل من تتاح له فرصة زيارة مدينة “بارزان” يراها تستضيء بمولد الملا مصطفى، لانه خالدا بمنجزاته البطولية، وهو يشكل نفحة النفور من العبودية. أميراً بلا منازع من أمراء بذرة الحرية، هذه البذرة التي غرسها في نسله أولاً والكورد والناس جميعا. ستبقى ذكرى الملا البارزاني إنموذجا في معاني النخوة والرجولة وهي التي أتعبت عقول وقلوب الطغاة. هذا الإنموذج لم ولن يستكين إلا لحتمية الخالق بالموت
وهنا أستشهد ببعض من مقولاته المأثورة الخالدة:
(“لسنا على الأعقاب تدمى جروحنا. ولكن على أقدامنا تقطر الدما فالقضية الكوردية في تقدم مستمر، تفتح طريقها بدماء الرجال وإيمان النساء بأن لا أول للكوردي قبل كرامته ولا آخر له بعد كورديته، نذرت فلذات أكبادهن لقمم الجبال وليس للسفوح“ وَمَنْ يتهيب صُعُودَ الجِبَـالِ.. يَعِشْ أبَدَ الدَهرِ بَيْنَ الحُفرْ” ) عندما كان يقاتل الملا الزعيم، انما كان ينشد وضع علامات هادية إلى حدود كوردستان الكبرى على وجه الكرة الارضية.
ان الموعظة من هذا السرد والعبرة والحكمة النابضة التي لم تتوقف في السيرة النضالية للملا مصطفى البارزاني؛ هذه الصفات التي سوف تبقيه خالدا. يحيا في وجدان وضمائر الشرفاء الشجعان، رحم الله الزعيم الملا مصطفى البارزاني. خالد الذكر وسيرة نضالية عطرة.