ما هي المخاطر والتحديات التي تواجه إقليم كوردستان؟
علي تمي
قيل سابقاً، إذا أردت السلام فاستعد للحرب!، هذه المقولة ليست وسيلة دعائية، ولا الغرض منها هو البحث عن خيوط نظرية المؤامرة وإثارة المواضيع الجدلية والتحديات التي تهدد سلامة وأمن المنطقة.. إنما شعار يستخدمه البحرية البريطانية التي تفرض اليوم هيمنتها على خمس محيطات حول العالم، بينما البحّارة الامريكيون من جانبها يفسرون علاقة الحرب بالسلام يعني أن وقت الاستعداد للحرب ليس عندما تكون الحرب وشيكة، بل عندما تكون في أوقات السلم. وبالمثل، يمكن لجيش قوي في زمن السلم أن يشير إلى غزاة أو مهاجمين محتملين بأن المعركة قد لا تكون تستحق المغامرة من أجلها، وأكد على هذه النظرية الزعيم الذي نشر وأسس مبادئ الديمقراطية في العالم هو " روزفلت "حيث قال يوماً: "تكلم بهدوء، ولكن احمل عصا كبيرة بيدك." هل فعلاً يجب أن يحمل إقليم كوردستان عصا بيده في أوقات السلام؟ اليوم الوضع الميداني داخل سوريا أو العراق بشكل عام على صفيح ساخن، وهو بمثابة نموذج سيّئ للفوضى الخلاقة التي أوجدتها الأمريكان في العراق بعد 2003 التي وصلت إلى حد التدخل في شؤون الدول المفتتة والضعيفة، وسيادة أرضها، واستقلالية قرارها التي أصبح على المحك، وما يحصل اليوم في العراق من فراغ دستوري والفشل المتكرر في انتخاب رئيس الجمهورية وللمجلس الوزراء هو خير دليل وشاهد أمام انظار الجميع، حيث الميليشيات الإرهابية خارج نطاق التغطية الرسمية، والفلتان الأمني، وتغلغل الحرس الثوري الايراني في المفاصل الرئيسية للدولة والتدخُّل السافر في شؤونها الداخلية، كما هو الحال في سوريا ولبنان واليمن وليبيا، فالوضع الاقتصادي والسياسي داخل "الإقليم" اليوم هو مستقر نسبياً، ويتمتع بأمن واستقرار، وهذا لا شك فيه، ومن هذا المنطلق يجب أن يستعد قادة الإقليم للحرب في أوقات السلام، كما أسلفنا ان وقوع هذه المنطقة بين حقل الألغام يجعل منها هدفاً مباشراً لمحاور الشر والتي تقودها ايران في الشرق الأوسط. من الحكمة أن نقول أن الاستعداد للحرب في أوقات السلام هو نابع من التفكير السليم والبراغماتية في قراءة الوقائع والمعطيات على الارض، الرسائل التي وُجّهت للإقليم قبل فترة من خلال استهداف أربيل باثنَيْ عشر صاروخاً، وتبني الحرث الثوري الإيراني هذه العملية ولأول مرة في تاريخها هي سابقة خطيرة في المشهد العراقي العام، هذه العملية يجعل منّا جميعاً أن نقف وبشكل جاد على مضمون هذه الرسائل والغرض منها وتوقيتها، قادة الإقليم بحكم تجاربهم التاريخية والميدانية يجيدون الحكمة في التعامل مع كافة التحديات والمعطيات بعقلانية وهدوء، لكن أحياناً يغرق المرء داخل التفاصيل، ويستحيل إدراك المستقبل والفخ المنصوب له. اليوم بات القاصي والداني يعلم أن هناك فيتو إيراني على انتخاب مرشح "الديمقراطي الكوردستاني" السيد ريبر أحمد لرئاسة العراق، لكن اكثر المواضيع الجدلية الذي يثير التساؤل هو حول الغموض الذي يلف موقف واشنطن من تورّط طهران، واللعب بقواعد التوازنات داخل العراق، فالكرد في العراق وعلى مدى التاريخ لم يضعوا يوماً جميع بيضاتهم في سلة الامريكان، فمعروف عن سياستهم هو المراوغة، والمكر، والمناورة في التعامل مع قضايا المنطقة.
صحيح أن خيارات الإقليم محدودة أمام هذا الكم الهائل من الفوضى والتحدّيات الامنية والعسكرية التي تواجه المنطقة لكن هناك موضوع يجب على قادة الإقليم التعامل معه بجدّية ودون تردد، فحزب العمال الكردستاني بات اليوم قوة عسكرية ولاعباً أساسياً في سوريا والعراق مدعوم من اللوبي اليهودي داخل البيت الابيض فضلاً الدعم الإيراني المباشر لهذه المنظومة على فرضية تلاقي المصالح (عدو عدوك صديقك !)، ويجب ان لا يستهان بقدرات هذا الحزب ، لأنها أداة تحت الطلب، فالخطر الأكبر الذي يواجه إقليم بشكل عام وأربيل بشكل خاص هي نوايا هذا الحزب الذي بات إيران تتلاعب بها كيفما تشاء، إذا كان الكورد في إقليم كوردستان لم يتعلموا من تجربة "ديار بكر" في 2015، وتجربة الكورد في سوريا بعد 2012، فهذه كارثة بحد ذاتها، فالرئيس مسعود البارزاني له بال طويل في هذه التجارب وخاصة كان جزءاً أساسياً من منظومة عملية السلام داخل تركيا، فبعد تصاعد أسهم الكورد داخل تركيا والاحتكاك المباشر مع الاتحاد الاوروبي ودعم 22 بلدية فاز فيها ، والتطور الذي شهدته القضية الكوردية في تركيا من الناحية السياسية والثقافية كانت سابقة لن تتكرر، فالعمال الكوردستاني ضّيع هذه الفرصة من يد الكورد، وضرب جميع الجهود بعرض الحائط، بينما في سوريا وبعد انسحاب النظام من المناطق الكوردية وتسليمها الى الحزب المذكور كان فرصة لا تعوّض، كان من المفترض ان يعمل على احتواء جميع القوى السياسية وتنظيم المجتمع، ودعم البنية التحتية لهذه المناطق التي همشها النظام طيلة العقود الماضية وإعادة الحياة اليها ، لكن ما حصل لم يكن بالحسبان، فالتجأ هذا الحزب إلى عمليات الخطف والاعتقال ونفي المخالفين له، وحوّل القضية الكوردية في سوريا من قضية سياسية عادلة إلى جزء من صراع إقليمي ودولي وإلى أجندة بيد هذا أو ذاك، وجرّ أبناءنا الى حروب لا ناقة لنا فيها ولا حمل، وزرع احتقان تاريخي مع مكونات المنطقة وخاصة في دير الزور والرقة وبالتالي تسبب بإضاعة فرصة أخرى على الكورد في سوريا. الخلاصة:
إذا كان قادة الإقليم لا يأخذون الخطر المحدق بهم من منظومة الحزب العمال الكردستاني على محمل الجد فهذه مصيبة، اما اذا كانوا يشعرون بهذا الخطر (الإيراني) ولا يولون لها اي اهتمام فالمصيبة أعظم، وبعد إضاعة الفرصة التاريخية التي منحت للكرد في سوريا وفيما بعد في تركيا تنفيذاً لأجندات ايرانية ..
يبدو هذه الأداة تنتظر دورها بفارغ الصبر لعملية حفر الخنادق والأنفاق داخل إربيل وتهجير اهلها عندما تتسنى لهم الفرصة والوقت المناسب، بطش الدول مهما كان متوحشاً وعبر التاريخ فهو ساقط داخل المدن والبلدات الكوردية في نهاية المطاف لكن لجوء أعدائنا إلى استخدام هذه الوسيلة الخبيثة اعتماداً على الحاضنة الاجتماعية الداعمة لهذا الحزب هو الخطر والتحدي الأكبر الذي يواجه المجتمع الكوردي بشكل عام في عصر الحديث، لهذا السب لا خيار امام الجميع إلا التوحد امام هذه الكارثة التي تحل بنا وتهدد وجودنا ومستقبل أبنائنا، وأخرجوا القضية الكوردية من بعدها القانوني والسياسي، وحوّلوها إلى لعبة بيد الدول، فبات الجميع يتلاعب بها كيما تشاء، فالخطر قادم، ومواجهته بات خياراً محتوماً ولا مفر منه مهما حاول البعض منّا دفن رأسه تحت الرمال .